النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

اللعب بأدمغة الشباب... نحو مواجهة مؤسسة الكراهية والشحن الطائفي!

رابط مختصر
العدد 10165 الإثنين 6 فبراير 2017 الموافق 9 جمادى الأولى 1438

خلال نقاشٍ مطولٍ مع عدد من الأصدقاء حول تصاعد الأعمال الإرهابية التي بات يتورط فيها عدد من الشباب المغرر بهم من الذين يزج بهم في أتون الإرهاب والتخريب بعد ان يتم غسل أدمغتهم، كان التساؤلات المحورية في هذا النقاش من نوع: من الذي زرع الحقد في نفوس هؤلاء الشباب حتى تحولوا الى قتلة وارهابيين لا عقول لهم ولا قلوب؟ من زرع الكراهية في نفوسهم والرغبة في القتل والتخريب في؟ أين هو تأثير الدين والقيم والتربية على المحبة والإخاء والتسامح والتعايش واحترام القانون؟ لماذا يتبخر كل ذلك (فكرًا وقيمًا وتقاليد اجتماعية يفترض ان تكون راسخة) وكأنه نسي منسي؟ من انتزع الخير من قلوب هؤلاء وزرع محلها الكراهية والنقمة؟
وتباينت الآراء خلال هذا النقاش، إلى أن وصلنا الى نقطة مفصلية، وهي الإجماع على وجود مفارقة مدهشة تتمثل في هذا الجمع بين الانتماء الديني لهؤلاء الشباب، بما يعنيه من قيم روحية وأخلاقية، وبين هذا الحجم من الكراهية الغريبة تجاه الآخرين، بمن في ذلك الشركاء في الوطن... والتي تطورت لتتحول الى القتل والاغتيال وإهدار الدماء؟
كيف نفهم هذه المفارقة الغريبة؟
نظريًا يبدو التدين عاملاً معززًا للتسامح والتضامن بين بني البشر، ولكن واقعيًا تحول التدين في بعض صوره المغالية إلى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والتمييز والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من ان أغلب الحروب التي شهدتها البشرية في جميع الحروب قد لبست لباسًا دينيًا او طائفيًا. ذلك أن التدين يمكن ان يجمع بين وظيفتين على صعيد الاستخدام والتوظيف: الأولى دينية والأخرى سياسية، ومن المؤكد بأن بين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت، وأن التفكير دينيًا بشكل مغاير لما هو سائد يمس البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يتعالقان بشكل كبير حتى الانصهار بين الديني والسياسي في الدولة.
المشكلة عندنا تتمثل في تنامي الخطاب الديني الطائفي المشحون بالأفكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية (الدينية) للتيارات والجماعات الدينية الطائفية تحديدًا، والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الإسلام السياسي التي وسمت العقود الأخيرة، من حياتنا بسمات التطرف وتبرير العنف في إطار رد الفعل على التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الإحباط بين الجماهير، او كوسيلة من وسائل الاستيلاء على السلطة، ساد لفترة تفسير متشدد للنص الديني، يدور حول فكرتي التكفير او التغيير بالقوة. فخلقت لنا الأولى جماعة «القاعدة» وخلقت لنا الثانية أحزابًا دينية طائفية تدخل معترك السياسة للاستيلاء على السلطة، باستخدام لغة شكلها ومصطلحاتها ديمقراطية (وجوهرها استبدادي عنيف) لتتمكن من الاندراج ضمن الحراك السياسي المدني، واستخدام القوة والعنف في ذات الوقت، تجسيما لفكرة التغيير بالقوة «للأخذ على يد الظالم» على حد خطابات قيادات هذه الجماعات، وهذا ما يفسر وجود مثل هذه المفارقة التي يعاني منها قسم كبير من شبابنا المتدين، بالجمع بين البعد الديني السمح على صعيد القيم والمعلنة، وبين ممارسة العنف والكراهية في أبشع أشكالها والتمييز الطائفي الذي أصبح منهجًا مؤسسًا للكراهية والحقد والشحن الطائفي – وحتى الديني والعرقي أحيانًا – واستحضار رموزها وجلبها من أعماق التاريخ، حيث يتم توجيه هؤلاء الشباب وفي وقت مبكر جدًا (ربما من الطفولة) على العداء الشديد للدولة وكراهية الآخرين المختلفين طائفيًا أو دينيًا او عرقيًا، حتى وإن كانوا شركاء في الوطن.
لقد كشفت الأزمة التي مر بها مجتمعنا وما يزالنا نعيش الى اليوم بعض تداعياتها، ان هنالك خزانًا ثقافيًا للكراهية (على مستوى الخطاب) يشتغل كبديل مفجع لروح التسامح وكل قيم الإسلام السمحاء التي تؤكد على ان المؤمنين إخوة وانه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، إذ تم تجاوز كل هذه القيم وسط حالة من الحشد تسخر له فضائيات متخصصة، تبث على مدار الساعة للتوجيه والتحريض ونشر الأوهام، بما منع الشباب حتى من التقاط الأنفاس والتفكير في حالهم وفي خياراتهم الحرة داخل مجتمعهم.
لقد توسع نطاق هذه الحالة بشكل غير مسبوق منذ احتلال العراق في 2003م وتعزيز الفكر الطائفي وتغلغله في المنطقة منتشيًا بسقوط النظام السياسي في العراق، ومدعومًا بالتيارات الطائفية الحاقدة، مما أدى إلى ارتفاع الأصوات المتطرفة واستحضار قصص التاريخ وخرافاته الرمزية وتوظيفها لتطويق الأجيال الجديدة والدفع بها الى حروب دموي. ومن يشاهد اليوم القنوات الفضائية الطائفية والتكفيرية، يصاب بالغثيان إزاء الكم الهائل من الحقد الذي يتم بثه بشكل منهجي، حتى وكأننا نعيش حالة حرب طاحنة بين الطوائف!
وعليه فإن زوال او تراجع ثقافة الكراهية يحتاج أن يعمل الجميع – مفكرين وكتابا ورجال دين وكل الدعاة والواعظين في اتجاه مضاد لها، بما يساعد على تخليص الأجيال الجديدة التي تورطت في العنف والقتل والإرهاب على استئصال الأسباب الفكرية والدعائية التي دفعت بهؤلاء الشباب الى اتون الحروب العبثية التي يجد من يمولها ويدعمها بالشحن والمال والسلاح..
إن في القاعدة الثقافية والروحية والقيمية لشعوبنا ما يكفي للتشبث بكل المعاني الحضارية التي عرفتها مجتمعاتنا منذ مئات السنين، بالكلمة الطيبة، والمجادلة بالتي هي أحسن والقبول بالآخر والقناعة بأهمية المشاركة في كل شيء ورفض فكرة الاستحواذ والسيطرة بالقوة والتي من شأنها ان تؤسس إلى صراعات داخلية خطيرة، ولا يمكن حماية استقرارنا السياسي والاجتماعي، إلا بجهد متكامل لنبذ ثقافة الكراهية وتفكيك جذورها التي تغذي عمليات الإقصاء والتهميش ضد الآخر المختلف، وإذا أردنا الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات التي حققتها مجتمعاتنا، إلى تفكيك هذه الثقافة التي لا تتوانى في تغذية التطرف والإرهاب والأزمات المتلاحقة على أكثر من صعيد.
إن تصاعد الدعوات المنادية بمحاربة ثقافة التعصب والكراهية والنزعات الطائفية أمر إيجابي، ولكن توظيف هذا الموضوع للدعاية السياسيـة يفرغه من محتواه ويحوله الى مجرد خطاب أيديولوجي يستخدمه فريق للدعاية والادعاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها