النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

أبعــــــاد

ذاكرة الأشياء

رابط مختصر
العدد 10162 الجمعة 3 فبراير 2017 الموافق 6 جمادى الأولى 1438

لم تستطع الخالة فاطمة أم أحمد أن تتنازل عن صندوقها «لمبيت» حين أراد حفيدها الأصغر اهداءه إلى متحف صديق له مغرم بـ«الانتيكات» وكادت دمعة حنين وحزن ان تقفز من عيني الجدة وهي ترفض ان تتنازل عن ذاكرتها.
في دفاعها عن عدم التنازل قالت له: «ماذا سيقول الصندوق» فعمره معي فهل اطرده آخر العمر يا ولدي، وكنت استمع الى جزء من ذلك الحوار.
وحين خرجت جلست في اقرب مقهى ورحت أتأمل موقف الخالة ام احمد، وسألت هل للأشياء ذاكرة؟؟ ابتسمت ثم تأملت اكثر فوجدتها فعلاً ذاكرة تكتنز اعمارنا وتختصر مشوارنا ومشوارها معنا.
فكما للأماكن رائحة لا تمحى ولا تزول فنحن نشم ونتنفس رائحة الأماكن القديمة كلما عدنا إليها بعد سنين طوال كذلك، فللأشياء ولاشك ذاكرة غائرة بين زواياها، وربما تتحدث وربما تستعيد مشاهد وصور وتستذكر احداثاً وروايات وسير اشخاص مروا عليها واقتربوا منها حدّ الصداقة العميقة فكانت جزءاً من عائلتهم، فهل يتخلى الانسان عن عائلته.
هل هو الحنين «النوستالجيا» أم هي اشياء لا ندرك كنهها ولا نفهم سرها لكننا لا نتخلى لا نتنازل عن اشيائنا القديمة حتى لا نتنازل عن جزء من اعمارنا.
ولعلها احدى المشاكل الدائمة والمزمنة بين أبنائنا واحفادنا وبيننا حين يجدون ان اشياءنا القديمة في المنزل تشكل عبئاً وعائقاً، وهي في النهاية بلا قيمة حسب وجهة نظرهم.
وحين يقر قرارهم على احالتها وابعادها من المنزل تقوم قيامتنا ونتمترس خلفها ونتشبث بها وندافع عنها دفاعاً مستميتاً بوصفها آخر حصون ذاكرتنا التي يريد الاحفاد دفنها، هكذا نتصور وهكذا يبدو لنا الأمر فنهلع ونجزع ونتجهز بكل الأسلحة الدفاعية والهجومية لوقف انتزاعها منا.
فهل نخشى عليها وعلى ذاكرتها التي هي ذاكرتنا أم نحن في الواقع نخشى على أنفسنا على ذواتنا من مثل هذه النهايات الدراماتيكية التي تنتهي فيها أشياؤنا وتحال لا الى التقاعد وإنما الى خارج المنزل؟؟
ربما بالغنا لكنه ايضاً ربما هو شعورنا نحن الكبار وحين نتابع كيف غطى الغبار وكيف دخل النسيان الى هذه الاشياء التي كانت يوماً بالنسبة لنا هي كل شيء ولها مكانتها في سالف أيام مضت وانقضت.
وعود على بدء، هل للأشياء ذاكرة كذاكرة البشر ام نحن ندافع عن ذاكرتنا بدفاعنا عن هذه الأشياء من أن يستغني عنها الأبناء والاحفاد؟؟
وقبل إن أغادر بيتها شاهدت الخالة أم أحمد وهي تجر رجليها بثقل السنين الى ذلك الصندوق «لمبيت» وتجلس إليه.. تفتحه وتغوص فيه وكأنها تغوص في سنين العمر وتظل هكذا منحية بشيخوخة داخل الصندوق لفترة تطول ولا نسمع سوى همس آهات قادمة من سحيق عمرها الذي مضى، فمن نخاطب الخالة فاطمة أم أحمد؟؟
لحظة قاسية تلك التي لم احتملها وغادرت الى حيث اسئلة ذاكرة الاشياء، اسألها وتسألني ونظل بين السؤال والسؤال في لغز الاشياء وهي بيننا كل هذا العمر، ولا نسمح أبداً ان تغادرنا او تغادر المكان مهما كان الثمن.
فهل الجميع هكذا أم هي حالات نادرة تلك التي تتعلق كل هذا التعلق الحميم بأشيائها كما فعلت الخالة أم أحمد التي رفضت أن تتنازل عن صندوقها لمبيت الذي ارتبطت به وارتبط بها، فصار ذاكرتها وصارت ذاكرته؟؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا