النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

داعش والغبراء.. قراءة ملحمية معاصرة لواقعنا العربي والإسلامي الراهن

رابط مختصر
العدد 10159 الثلاثاء 31 يناير 2017 الموافق 3 جمادى الأولى 1438

في صحراء الكهيف بالشارقة، كنت في مدى الدهشة والذهول والحيرة والتساؤلات، حيث (داعش والغبراء) لمؤلفها حكيم المسرح في وطننا العربي الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم شارقة الثقافة المستنيرة والفكر الخلاق في خليجنا ووطننا العربيين، ولمخرجها الفنان الإماراتي العربي المبدع المغاير والآسر محمد العامري، التي افتتح بها مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي الثاني.
هذه المسرحية الملحمية التي بدأ بها المهرجان والتي لم تنتهِ بانتهائها دهشتنا وذهولنا وحيرتنا وتساؤلاتنا حتى اللحظة هذه..
ففي هذا المدى الصحراوي الشاسع المغمور بالكثبان والتلال والفسح الرملي، فضاء الملحمة، اختبر العامري ممكناته الإخراجية والبصرية الهائلة، لتجسيد نص ملحمي تداخلت في حيزه أزمنة مكثفة حملت دلالات وإشارات تاريخية ماضوية وراهنة ومعاصرة ومستقبلية، زادها وزوادتها حرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين عامًا قبل الفتح الإسلامي، والتي أججت الحقد والكراهية والانتقام بين قبيلتي ذبيان وعبس، ونتاجها داعش التي استشرت شرًا وفتكًا في جسد أمتنا العربية والإسلامية حتى يومنا هذا.
إنها قراءة حداثوية اختزالية للمشهد العربي الإسلامي، صعبة ومركبة وإشكالية، في تداخلاتها التاريخية واللحظية والمستقبلية، لا تنتمي إلا لكاتب مبدع هضم هذه الأزمنة هضمًا واعيًا وفاحصًا وحذرًا ومسؤولاً، ومن مثل الشيخ الدكتور القاسمي في خليجنا العربي، هذا المؤرق بهموم أمتنا العربية حد القلق، يستطيع أن يختبر إعادة إنتاج هذه الملحمة الدموية بروح إبداعية ومعاصرة، خاصة وأنه المهموم والمهجوس بقضايا هذه الأمة، اختصاصًا وبحثًا وموقفًا سياسيًا وقوميًا وتأليفًا للمسرح منذ أول نص ألفه للمسرح؟
مثل هكذا نص، لابد وأن يفتح شهية من يتصدى له إخراجيًا، ويوقعه في هم لا يقل في تبنيه عن قلق من أبدعه نصًا، فكان المخرج العامري لها، وفي مستوى أن يتشرب هذا الهم التاريخي المعاصر والمقلق، ليشكل منه رؤية ملحمية، عشناها حقًا في فضاء صحراء الكهيف، وتفاعلنا معها كمتلقين احتضننا فسح صخورها المستوي بمفردات عادات أهل الصحراء قديمًا وحديثًا..
في هذا الفسح، كانت المجاميع هي المحور الأول والأخير، ونعني بها قبيلتي ذبيان وعبس، اللتين حولتا الصحراء بسبب خلافهما الانتقامي إلى جحيم، والذي كانت شرارته الأولى مكيدة سباق بين فرسين، هما داحس والغبراء، ومن ثم قتل هنا وهناك، حتى شبت حرائق هذه الشرارة الأولى، لتلتهم الأخضر واليابس، بينهما لزمن تجاوز الأربعين عامًا، بل ليستمر تأثيرها الأخطر حتى يومنا هذا في لبوس قبلي جديد، تتداخل اتجاهاته ومآربه واستثمار حمقه، ليحرق بدل القبيلتين، أوطانًا وأبرياء وأديان، بل يحرق دينًا يعد نقلة حضارية في تاريخنا الإسلامي وفي كل تواريخ الأمة بمختلف أديانها.
هذه المجاميع التي ساهم في تعزيز حضورها المأساوي والكارثي والانفعالي، بتوجيه رؤية المخرج العامري، فرسان الشارقة وفرقة أنانا وكل من اشتعل حبًا وحضورًا في العرض الملحمي، ومن بينهم الفنان الماكيير ياسر سيف، كانت محورًا رئيسًا لرواة العرض النجوم، من أمثال الفنانين أحمد الجسمي وإبراهيم سالم، اللذين نقلا مشاهد الفدح والفجيعة في هذه الملحمة.
لقد تمكن المخرج المبدع العامري في هذه الملحمة المعاصرة، أن يستثمر كل جزيئات فضاء الكهيف بشكل لافت ودقيق ومبهر، وهو فضاء صعب يتحدى بتضاريسه الصحراوية المركبة كبار المخرجين الذين اعتادوا على الاشتغال في الأفضية المفتوحة، وما أجمل وأبدع تلك اللحظة التي حين اشتد فيها وطيس الحرب، خلق العامري بمن استعان بهم في تشكيل سينوغرافيا الملحمة، أدخنة سحابية، رمادية، نارية، طلت سماء فضاء الصحراء من كل جانب بألوانها وحركتها اللونية المتصاعدة، خلق منها إشارات معاصرة دالة ومؤثرة، حيث يمكن لمن يتأملها أن يعتقد بأنها هبوب ريح داحس والغبراء الكارثية على بلداننا العربية والإسلامية والتي تنفستها رئة انتقامية جديدة وأكثر كارثية من داحس، وهي داعش التي مهما كان البياض المكاوي يسعى لنقائضها، إلا أن الكارثة السوداوية تكمن خلف هذا البياض، وليس هناك ماهو أدل من السيوف على ذلك الخطب.
داعش والغبراء.. لمسرح الشارقة.. ملحمة أثبتت أن في خليجنا العربي طاقات إبداعية قادرة على تحدي المستحيل، ومن بين هذه الطاقات، مخرجنا المبدع محمد العامري، فآن الأوان لاستثمار مثل هذه الطاقات في عروضنا الافتتاحية، بدلاً من الاعتماد على غيرهم ممن يتاجرون بالاستعراض على حساب المسرح والرؤية والفكر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا