النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

صفحات من كتاب «غواية التنصت وبث التسريبات»

رابط مختصر
العدد 10158 الإثنين 30 يناير 2017 الموافق 2 جمادى الأولى 1438

وقعت المطربة الشابة «شيرين عبدالوهاب» في شراك غواية التنصت وبث التسريبات، التي انتشرت كالوباء بين الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي العربية، إذ أرادت أن تعاتب - وتعابث - الفنانة «كندة علوش» والفنان «عمرو يوسف» لأنهما وجها إليها، وإلى زميلتها «أصالة» الدعوة لحضور حفل زفافهما، باعتبارهما صديقتين، وليس كذلك باعتبارهما مطربتين، بينما اختارا اثنين من المطربين الشبان هما «تامر حسني» و«محمد حماقي» للغناء في الحفل.. لتنطلق في وصلة مدح مرتجلة فيهما، وفي الجيل الذي ينتميان إليه، ما لبثت أن قادتها إلى الوقوع في مخاطر الارتجال، حين استثنت المطرب «عمرو دياب» من هذا المديح، لأنه على حد قولها «كبر في السن.. وكفاياه غنا».. ليقتنص العبارة أحد هواة التسريب، ويبثها - بالصوت والصورة - على مواقع التواصل الاجتماعي، ليستفز ما قالته «شيرين» أنصار «عمرو دياب» فيشنون حملة تأديب واسعة النطاق عليها، مما اضطرها - كعادتها في كل مرة ترتكب فيها مثل هذه الحماقات - إلى الاعتذار قائلة إنها كانت تمزح، وأن هدفها كان إشاعة جو من المرح في الحفل، وهو اعتذار أكدته بالتبرع بمبلغ مليون جنيه لبعض المشروعات الخيرية.. وعلى طريقة العذر الذي هو أقبح من الذنب، قالت إن حملة الهجوم التي تعرضت لها قد نبهتها إلى التأثير الجماهيري الواسع التي تتمتع به، فأرادت أن تلفت نظر الجميع، إلى أنها تقوم أحيانًا، بأعمال مفيدة تستحق الاهتمام، أكثر من عبارة قالتها في مكان خاص.. وليس في مكان عام.
ما لفت نظري، أن الذين شنوا الحملة على ما قالته «شيرين» لم يشتركوا في هذا الهجوم، الذين قاموا بتسريب أقوالها، مع أن كليهما ارتكب الذنب نفسه، إذ نسيت هي الحكمة الشعبية التي تقول «لسانك حصانك.. إن صنته صانك.. وإن هنته.. هانك».. كما نسوا هم المثل الشعبي الذي يقول «ما شتمك إلا اللي بلغك» وساهموا - بقصد أو دون قصد - في إشاعة ألفاظ الإهانة التي وجهتها «شيرين» إلى «عمرو دياب»، أمام عدد محدود من الناس، ممن حضروا حفل الزفاف، مما أسفر عن وصولها إلى عشرات الملايين من جماهير وسائل التواصل الاجتماعي.
أما المهم فهو أن هذه الواقعة، ذكرتني بواقعة تاريخية من الوقائع التي يحفل بها «كتاب غواية التنصت وبث التسريبات»، يعود تاريخها إلى عام 1955، حين نجح قسم «مكافحة الشيوعية» بوزارة الداخلية المصرية، في القبض على عدد كبير من المنتمين إلى تنظيم سري، كان يعرف آنذاك باسم «الحزب الشيوعى المصري» بعد مجهود ضخم استغرق خمس سنوات متصلة منذ ظهر هذا التنظيم - فجأة - على خريطة التنظيمات الشيوعية عام 1950، دون أن يعرف أحد من ضباط القسم، أو معاونيهم أو أعضاء التنظيمات المنافسة له، شيئًا عن مؤسسيه أو قياداته أو أعضائه.
وعلى عكس ما سبقه من تنظيمات شيوعية فقد كانت كل الدلائل تؤكد، أنه يتبع أساليب جديدة ومختلفة لتأمين نفسه ضد الاختراق البوليسي لصفوفه دون أن يحول ذلك بينه وبين ممارسة نشاطه، إذ كانت جريدته الجماهيرية «راية الشعب» تصل إلى أعضائه والمتعاطفين معه في الموعد الأسبوعي المحدد لصدورها بانتظام، وقد طبعت بأحرف الطباعة، وليس بإحدى طرق الطباعة البدائية التي كانت تتبعها التنظيمات الأخرى، وتوزع في اليوم نفسه في أنحاء مختلفة من البلاد وفي أماكن متعددة كالمصانع والمدارس والجامعات، وتدس تحت أبواب الشقق السكنية، فضلاً عن مجموعة من الصحف المتخصصة - الشهرية ونصف الشهرية - في الأدب والفن، وشؤون العمال وقضايا الفلاحين والدراسات النظرية والفكرية، وعدد كبير من الكتيبات المترجمة عن اللغات الأجنبية المختلفة في شؤون السياسة الدولية.
ومع أن أجهزة الأمن نجحت - بعد مجهود مضن - في القبض على عدد من كوادر الحزب، واكتشاف بعض الأوكار التي كان يصدر منها مطبوعاته، إلا أن صمود هؤلاء أمام ضغوط المحققين، حال بينها وبين الحصول على معلومات ذات قيمة عنه، إلى أن قادتها المصادفة ذات يوم من عام 1955 إلى اقتحام أحد هذه الأوكار، ومع أن الذين كانوا يختبئون فيه نجحوا في الهرب قبل وصولها إليهم، إلا أنهم تركوا خلفهم كنزًا من المعلومات عن التنظيم، تتمثل في تقارير «لجنة الرقابة» وكانت أشبه بقسم مخابرات الحزب، تضم أعضاء مهمتهم التحري عن الأعضاء الجدد المرشحين لاكتساب عضويته، وجمع المعلومات عن مدى إخلاص وانضباط بقية الأعضاء، والتحقيق في الشبهات التي تثور حول علاقة بعضهم بأجهزة الأمن، أو علاقتهم بالمنظمات الشيوعية المنافسة، التي كان الحزب يعتبرها جميعًا عميلة لهذه الأجهزة، وكانت لجنة الرقابة تصدر - فضلاً عن هذا - بيانات تضم أسماء «العناصر البوليسية في الحركة الشيوعية» تحذر فيها أعضاء الحزب من التعامل معهم.
صحيح أن تقارير لجنة الرقابة، كانت تستخدم - غالبًا - الأسماء الحركية في الإشارة إلى هؤلاء، إلا أنها كانت تتضمن - كذلك - وقائع ومعلومات أخرى عنهم، مثل أماكن العمل وأحياء السكن، والأنشطة العلنية التي يقومون بها، استطاع ضباط قسم مكافحة الشيوعية بالربط بينها، وأن يصلوا إلى الأسماء الحقيقية لأصحابها.. ليجدوا أنفسهم أمام كنز من المعلومات، ليس عن «الحزب الشيوعى المصري» فقط، لكن - كذلك - عن بقية فصائل الحركة الشيوعية المصرية، فشلوا - على الرغم من المجهود الضخم الذي بذلوه على امتداد سنوات، في العثور عليها، إلى أن قادتهم إليها غواية التلصص التي دفعت بعض مؤسسي الحزب، إلى إنشاء لجنة الرقابة، لكي تقوم نيابة عنهم بهذا العمل التاريخي العظيم!
ومضى وقت قبل أن تكتشف هذه الأجهزة، أن مؤسسا الحزب، كانا اثنين من ألمع أساتذة الاقتصاد في العالم العربي، هما د. فؤاد مرسي - أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية، ود. إسماعيل صبري عبدالله - وكان يعمل في منتصف الخمسينات مستشارًا اقتصاديًا للرئيس جمال عبدالناصر- وقد تولى كلاهما منصب الوزير في بداية عهد الرئيس السادات!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها