النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

تسطيح «التسامح» في زمن المخاطر والصراعات الداخلية

رابط مختصر
العدد 10158 الإثنين 30 يناير 2017 الموافق 2 جمادى الأولى 1438

يحيل استخدامنا الدارج لمفهوم «التسامح» في الغالب إلى معنى «التساهل مع المختلف في الدين أو المذهب أو الرأي»، بعيدًا عن أي مضمون فكري او سياسي لهذا المفهوم، لأنه يطرح في الغالب ضمن موقف الناس الذين هم في المراكز القوية، بمن فيهم السياسيون ورجال الدين والأغلبية الدينية او القومية او الطائفية نحو الاخرين الذين هم في مواقع أقل قوة او الأقل عددًا أو الأقل سلطة ونفوذًا، في حين ليس هذا هو المفهوم المقصود في الأصل، وإنما المقصود هو القبول بالرأي والرأي الآخر، أي الاتفاق على علوية الحرية والحق في الاختلاف عن السائد، وعما هو مستقر من الآراء، من دون أي يفضي ذلك بهم الى التعرض للعنف او الاقصاء أو الاتهام بالخروج عن السائد.
إن بداية الدعوة إلى التسامح في التاريخ البشري تعود إلى ما قبل التاريخ الحديث وربما يصح التأريخ لبداياتها ببداية الرسالات السماوية التي مثلت الدعوة الى التسامح إحدى أهم أسسها، وإن بألفاظ مختلفة، أي التسامح بين بني البشر كأحد مضامينها الثابتة التي توالى الرسل والأنبياء على دعوة البشر إليها. ويتوافر التراث الإسلامي الفقهي والفكري على العديد من المرتكزات والأسس والأحكام التي من شأن تطويرها اليوم الإسهام في بلورة مفهوم أفضل وأوسع قبولاً للتسامح وفي تأصيل وتكريس ثقافة التسامح سواء بين المسلمين أنفسهم، أو بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى، فضلا عن توسيع هذا المفهوم ليشمل المجالات الأخرى غير الدينية.
فمن الوجهة المدنية يشير المفهوم إلى إجازة ممارسة المختلف لحريته وفقا للقانون، وفي المعجم العربي يفيد مفهوم التسامح معنى الترخيص والغفران والتنازل والتساهل والمعاملة بالمثل والحوار، والترخيص المتبادل بحق الاختلاف بما يؤسس للشراكة التي تشجع دون تعال ولا شعور بالنقص.
وقد شهد المفهوم تطورًا واضحًا في العصر الحديث ليتسع إلى معنى حرية الآخر، لا فقط في الحقل الديني، بل كذلك فيما يتعلق بالآراء والقناعات، الفلسفية والسياسية والشخصية، حيث تم تنزيله منزلة الحق المقدس وليس منزلة المنة التي يتفضل بها طرف قوي لصالح طرف ضعيف، بما يوجه البشر إلى الاعتراف بالآخر دون حجب حق الاختلاف في الفكر وفي الممارسة في إطار القانون الجامع الذي يحكم سلوك الأفراد في الدولة المدنية، بل إن الفكر الإنساني تطور اليوم إلى ما هو ابعد من ذلك باعتبار الاختلاف مصدر ثراء وغنى، وهو بهذا المعنى مطلوب لذاته، ومطلوب لما يسهم به من طاقة فاعلة على مستوى الإبداع والثراء الفكري والثقافي وحتى الاقتصادي، ونرى اليوم العديد من الدول القوية والمتقدمة على كافة الأصعدة، تستمد جزءا من غناها من التعدد والتنوع، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية، فالتنوع إذا ما تم استثماره في مناخ الحرية والقانون، يمكن أن يتحول إلى طاقة فاعلة.
ولذلك فإن تجدد الدعوة الى التسامح في مجتمعنا لا بد ان تأخذ بعدها الكامل، وليس المعنى المحدود، فعلى الصعيد السياسي يكون التسامح بالضرورة استعدادًا لتقبل المختلف سياسيًا عن السائد، والتعامل معه باحترام، حتى وان كنا لا نشعر بالارتياح إزاءه، طالما انه لا يمارس العنف ولا يخرج عن القانون، لأن التسامح مبدأ هام في المجتمع الديمقراطي، يضمن تحقيق حقوق الإنسان وحرية التعبير، والحفاظ على حقوق الأقليات بما يتيح المنافسة الحرة وانفتاح المجتمع السياسي أمام الآراء المختلفة، حتى وإن كانت غير مقبولة من الاغلبية، حيث يتعرف المواطنون على كافة الآراء، ويمكنهم نقدها بصراحة، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى منح التسامح السياسي شرعية لآراء المجموعات المختلفة، وبذلك يسهم التسامح في الاستقرار الاجتماعي وفي حل النزاعات بالطرق السلمية، وبما يمكن كل مجموعة من المشاركة في العملية السياسية، ولا تتحول إلى حركات سرية تشكل خطرًا على كيان الدولة واستقرارها.
هذه الصياغة هي الأقرب إلى السياق الذي نقصده بالتسامح، فإذا كان للناس من ذوي القناعات الدينية والإيديولوجية والسياسية المختلفة أن يتعايشوا معا في مجتمع ديمقراطي تعددي، فإن عليهم تقبل حرية المعتقد والرأي والموقف السياسي طالما ان الخلاف يجري في سياق سلمي حر.
ولا شك أن مجتمعنا في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ قيمة التسامح لمجابهة النزعة نحو التحجر والتعصب في كل المجالات السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وإحلال الاطمئنان محل الخوف، والتضامن بدل الإقصاء والتهميش، وذلك لأنه قيمة محورية في التنمية وإليها ترجع كل قيم حقوق الإنسان. خاصة في ظل نمو الاتجاهات الطائفية والعنصرية والتمييزية خلال السنوات الماضية بسبب سطوة تأثير الجمعيات والتيارات السياسية - الدينية الطائفية الانعزالية فكرًا وممارسة، مما أدى إلى تنامي نزعات عدائية ضد الآخر - حتى الشريك في الوطن - وهذه التيارات تكرس جل جهدها اليوم لحفر الخنادق والأسوار التي تعزلها عن الآخرين حتى بالنسبة إلى العناصر المكونة للنسيج الاجتماعي المحلي، فما بالك بالآخر بالمفهوم الديني والسياسي والثقافي خارج الفضاء الوطني. وطالما أن هذه الجمعيات تنبني على أسس دينية - طائفية، فإنها لن تكون قادرة بتركيبتها تلك على استيعاب وممارسة قيم التسامح بكافة معانيها السياسية والدينية والثقافية، حتى وان ادعت غير ذلك.
همس
الجدار المائل على البصيرة، القمر السائر على حافة النهر
 الطيور تدندن خفية عابرة النهار الرمادي بأجنحتها الحائرة
السحب الشهب الهاربة من فضائها تلتمع في شرودي
قطرات المطر الساقطة في الأزقة المهجورة
أقواس قزح المنعكسة على عينيها تغص بها الذاكرة
تعكس غربة اللحظة العابرة وصمت النهاية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها