النسخة الورقية
العدد 10999 الثلاثاء 21 مايو 2019 الموافق 16 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:20PM
  • العشاء
    7:50PM

كتاب الايام

موت تاجر الفستق المعمم 4/‏‏1

رابط مختصر
العدد 10154 الخميس 26 يناير 2017 الموافق 28 ربيع الآخر 1438

لم يكن يدرك علي أكبر هاشمي رفسنجاني الثعلب العجوز أنه سيكون ظلاً لرفيقه الخميني في مماته كما كان ظلاً في حياته حتى وفاة الخميني قبل أكثر من ربع قرن من فراقهما، ليصبح في مماته لصيقا مجاورا لقبره، لكي يتهامسا بروحيهما عن الدنيا الفانية وحجم التآمر والإجرام الذي خططا له معًا وقرره الأول ونفذه الثاني بعناية فائقة. 
كان رفسنجاني وتلك غرابة سياسية، بأنه ظل دومًا الرجل الثاني في السلطة الدينية والسياسية والنضالية لرواد الثورة الأوائل حتى الرمق الأخير. يأتي موت رفسنجاني في ظرف تاريخي وسياسي مميز وحساس ودقيق، لهذا سيكون من مهمات الشارع الايراني المنتفض بلورة وعيه وتحريضه حول الهدف المركزي ألا وهو هدف إسقاط النظام وتغييره، تلك هي المرحلة الجديدة التي تأتي بعد موت الثعلب العجوز المكار، فإيران هذه اللحظة تعاني فراغًا سياسيًا كبيرًا وشرخًا عميقًا في بنية السلطة بعد وفاة رفسنجاني فقد كان يلعب دور «قبة الميزان» بين تلك الاستقطابات، حيث ظل محافظًا طوال عدة عقود على توازن الصراعات بين الأطياف المختلفة في السلطة وخارجها. 


اليوم وفي هذه اللحظة الراهنة اختل هذا الميزان اختلالاً كبيرًا وإيران ماضية نحو المجهول. الشارع السياسي اليوم والجماهير الايرانية محتقنة ومستاءة وساخطة وتقف على فوهة بركان من جراء المشاكل المزمنة عميقة الجذور كالفقر المتزايد والبطالة المتصاعدة والفساد المستشري بلا حدود والمعاناة الظالمة لحياة الناس البسطاء، والتي بلغت أقصى ذروتها من حياة الألم والمرارة والقمع والبيروقراطية منذ اندلاع الثورة في فبراير عام 1979 حتى يومنا هذا. 


ظلت شخصية رفسنجاني في ملفات عديدة داخلية وخارجية مثار استغراب وتبلبل وجدل المحللين حولها احيانًا نتيجة تقلباته الغريبة بين التيارات المتصارعة داخل السلطة ورؤيته لأعقد الأمور من زوايا متناقضة تعكس هويته وخلفيته الفكرية والطبقية، لهذا كان غامضًا ومتقلبًا وبراغماتيًا ومتعنتًا وتقليديًا مع المحافظين وخاتميًا وإصلاحيًا مع خصومه في مراحل مختلفة بل وبين ليلة وضحاها متى ما وجد ان المناخ السياسي سريع التقلب كالانتخابات النيابية والرئاسية، لهذا سرعان ما يضع بيضه في السلال المناسبة ليكون جسر الثقة المطلوب داخليًا وخارجيًا، هذه الشخصية الخلافية المتنوعة من أين كسبت وتلونت بهذه الخصوصية الفكرية والإنسانية والسياسية؟ فكان مع الجميع وضد الجميع إلا نفسه مثل تاجر البازار الذي يهمه أن يربح في بضاعته آخر المطاف. 


منذ شبابه الأول والمبكر قبل سقوط الشاه وكان قريبًا للخميني في الداخل والمنفى وكان قريبًا للغاية للمرشد الحالي علي خامنئي في مشهد، فقد اعتقل رفسنجاني الشاب لمرات عدة متقطعة وقصيرة ولكن أطول اعتقال له وفق التهم الموجهة له من السافاك والمحكمة، بأنه كان يجمع تبرعات وأموالاً لمنظمة مجاهدي خلق. هذه المنظمة التي ستكون لاحقًا من ألد خصوم وأعداء رفسنجاني، والذي كان في أيام سجنه يصلي وراءهم كتيار إسلامي يساري. 


وفي لحظات التاريخ غير المكتوب عند مجاهدي خلق سيعرف خامئني في مشهد بأحد العناصر الشابة في بيته على أهم صديق له وهو أكبر رفسنجاني، لم ينجح رهان خامئني على جذب ذلك الشاب لمنظماتهم السرية، حيث سيلتحق بمنظمة مجاهدي خلق في بداية السبعينات. 
لقد كان مناخ تداخل الأفكار الماركسية واليسارية في السبعينات قبل سقوط الشاه رائجة بين الشباب المتدين المتطلع بحماس للتغيير وإسقاط السلطة بما فيهم شباب مجاهدي خلق، حيث أخطأ الشاه بزج كل تلك الألوان والأطياف بعضها البعض في سجونه فكان السجن مكانًا للحوار الايديولوجي والفلسفي والسياسي بين التيار الديني والعلماني واليساري بشكل عام. ولم يكن رفسنجاني الشاب بعيدًا عن رذاذ تلك الأفكار المثيرة للأسئلة حول الواقع الطبقي لفكر كل ثورة ولكل الأحزاب والمنظمات. 


ظلت شخصية رفسنجاني الشاب في حالة تحول وتذبذب مستمر فجمع ثلاث سمات أساسية في شخصيته ونادرًا ما نجدها في كثير من المنخرطين في السياسة، فهو من الناحية الطبقية يحمل ثلاث سمات جوهرية، سمة رجل الدين والإقطاعي الملاك الكبير للأراضي الزراعية الواسعة في مدينة رفسنجان، الإقطاعي بأملاكه وفلاحيه وأراضيه، غير أن رجل العقار والمقاولات وبناء البيوت والشقق والانخراط في البيع والشراء، جعل منه رجلاً بسمات إضافية هي شخصية وملامح السمسار المقاول، لهذا نحن أمام سيكولوجية مميزة دخلت عالم السياسة مبكرًا وتحولت نحو مواقع عدة خلال ما يقرب العقود الأربعة،

 

أن تكون سمسارًا فإنك تجنح في السياسة بأخلاق السمسرة وأن تكون رجلاً بملامح إقطاعية فجذورك التقليدية والطبقية تجرك نحو سلوكيات ثقافة الإقطاع وخلفياتها القديمة الرجعية التي تصطدم بقوة مع الحداثة والتغيير، بينما شخصية رجل الدين المعمم لم تحررك من تلك الشخصيتين الإقطاعي والعقاري السمسار في ممارسة الدجل والتلون والقول المعسول المخادع للساسة والجماهير، كلها تم توظيفها في سيرك السياسة الايرانية ونظام الملالي، وكان رفسنجاني لاعب السيرك الماهر على تلك الحبال السياسية بين كافة رجال السياسة ورجال الدين حاملاً مرتبة حجة الاسلام داخل بنية وسلطة النظام والمجتمع الايراني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها