النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

وإن طال السفر ..هل تستقيم الديمقراطية من دون مدنية الدولة؟

رابط مختصر
العدد 10153 الأربعاء 25 يناير 2017 الموافق 27 ربيع الآخر 1438

أعجبني تعليق أحد القراء على مقال الأسبوع الماضي («ديمقراطيونا» غير الديمقراطيين)، مشيرًا إلى «أن السياسة ابتلعت الديمقراطية والإسلام السياسي ابتلع السياسة، ولم يترك لنا شيئًا، ولذلك فالجميع أصبحوا محبطين تمامًا من المجتمع السياسي بكامله، وليس فقط من الجمعيات الدينية الطائفية، مثلما جاء في مقالك، واعتقد انه لم يعد هنالك أي أمل في الديمقراطية». (انتهى التعليق).
ووجه الإعجاب هنا يعود إلى أنه شخَّص واقعًا مريرًا وشخَّص حالة عربية تكاد تكون فريدة، ولكنني لا أتفق مع التعليق في النتيجة التي توصل اليها، فما أراه، وحاولت بيانه في المقال المشار اليه، لا يفضي إلى اليأس من الديمقراطية، فالديمقراطية لا فكاك لنا منها، ولا خيار لنا غيرها، بل سوف تظل طموحًا ضروريًا ومشروعًا.
ولكن الغريب المستفز - الذي ألمحت إليه في المقال - أن جمعيات دينية طائفية تتحدث عن الديمقراطية، وتتحدث عن الدولة المدنية، في حين أنها محكومة من ألفها إلى يائها بقرارات وتوجيهات المرجعيات الدينية والفقهية، بل إنها - وحتى وهي في البرلمان وتمثل قسمًا من جمهور المواطنين - وعندما يعرض أي موضوع على التصويت ترجع به أولاً إلى المرجعية الدينية بداية، والتي تقرر - لوحدها - الصالح والطالح، التصويت من عدمه، وهذا يؤول بنا الى انتفاء أي قيمة للديمقراطية، بل أي قيمة للصوت الانتخابي للمواطن. ولذلك عندما نتحدث عن الديمقراطية لا يبدو أننا نتكلم عن نفس الأمر، باستثناء موضوع الانتخابات بمفهومها الشكلي الذي يكاد اليوم يختزل الديمقراطية في فهمها العام والسطحي، فالليبراليون والإسلاميون والقوميون والمستقلون كل واحد منهم له تفسيره وفهمه للديمقراطية مما يجعلنا في النهاية نستخدم المصطلح نفسه ولكن للدلالة عن أشياء مختلفة تمام الاختلاف إلى حد التناقض.
لقد أصبحت الديمقراطية ضرورة ملحة، لا يجادل في أهميتها اثنان.. بل لا نغالي إن قلنا إن أي عمل سياسي أو تحرك شعبي أو تكتل حزبي إذا لم يضع في أولوياته ترسيخ قيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، فإنه لا يحظى بالقبول في ظل انتشار المصطلح الجديد القديم، ولكن من الواضح إن القليل منا يعود بالديمقراطية في مفهومها الليبرالي إلى جذورها الصحيحة والحقيقية وهي إن الديمقراطية لكي تنجح وتنتشر فلابد لها من الأخذ بمدنية الدولة ومتطلباتها السياسية والإدارية والفكرية، بما يعني الفصل بين الدين والدولة على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأنظمة والقوانين باستثناء ما له علاقة بنظام الأسرة لارتباطه بالضرورة بالمنظومة الدينية - الطائفية. فقضية الديمقراطية تطرح معها قضية مدنية الدولة التي تعتبر بدورها ميدانًا لجدل سياسي وفكري بين تيارين هامين هما العلمانيون والإسلاميون. والسؤال الذي يطرح هنا: هل يمكن قيام نظام حكم ديمقراطي دون أن يكون هذا النظام متصفًا بالمدنية في نفس الوقت، أو يأخذ بالمنظور العلماني (الحيادي) لإدارة الدولة؟ بل يمكن أن نطرح السؤال بطريقة أخرى: هل ان الذين يرفضون ويعادون مدنية الدولة وحيادها في التعامل مع الأديان والطوائف يمكن ان يكونوا ديمقراطيين؟ وهل الذين يرفضون مدنية الدولة ديمقراطيون؟؟ وهل الذين يؤسسون أحزابهم وخطابهم السياسي على أساس ديني - طائفي وفي ذات الوقت يتحدثون عن مدنية الدولة، يمكن اعتبارهم ديمقراطيين؟ هل يمكن الأخذ بالديمقراطية دون الأخذ بمدنية الدولة (بالمعنى الايجابي للمدنية والذي لا يرادف فصل الدين عن الدولة وإنما فصل الدين عن السياسة أي عن توظيف واستغلال الأحزاب السياسية له للهيمنة على المجتمع)؟؟ وباختصار: هل يمكن بناء الديمقراطية في دولة دينية؟؟ وهل تعتبر مثل هذه الديمقراطية (التي بها برلمان وجمهورية ومجلس خبراء ومرشد أعلى) ديمقراطية حقيقية؟؟ وهل يمكن اعتبارها نموذجًا يحتذى به مثلما يروج البعض؟
إن الممارسة الديمقراطية تعني ببساطة شديدة: المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وحتى تكون هذه المشاركة حقيقية وفاعلة لابد من توافر شرطين اثنين هما: المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، بغض النظر عن الفوارق الدينية والعرقية والسياسية والجنسية، والثاني هو ضمان حرية الفرد الكاملة في الكلام والتعبير والتنظيم والعمل السياسي، فالديمقراطية هي حرية الفرد الكاملة التي لا يحدها إلا القانون، حريته في التعبير والاعتقاد. وهي حق الآخر في الوجود وحريته في العيش والتعبير.. هي المساواة بين الجميع دون تمييز على أساس الدين أو العرق او الجنس أو القومية.. هي نسبية الحقيقة: أي الاعتراف المسبق باحتمال خطأ الذات الذي يقابله احتمال أن يكون الآخر على صواب... هي حق الأقلية في أن تتحول إلى أكثرية، وبدون هذين الشرطين لا يمكن القول بوجود ديمقراطية حقيقة. وهنا يأتي دور مدنية الدولة لضمان احترام هذين الشرطين، فالمدنية بهذا المعنى ليست غاية بحد ذاتها بل هي مجرد هيكلية قانونية تضمن احترام المساواة والحرية.. وبناء الدولة (كمؤسسة) على أسس ديمقراطية تستوعب الجميع هو الهدف من أي ديمقراطية حقيقية، وتوزيع الحقوق والواجبات على أفراد الشعب على أساس المواطنة دون أي اعتبار للانتماءات الدينية او المذهبية أو العرقية أو الجنسية، وبناء سياسة التشريع على المصلحة النسبية والمتغيرة في الزمان والمكان وليس على مفاهيم مطلقة وثابتة إلا فيما هو ثابت، هو جوهر الديمقراطية.
ومدنية الدولة هي وسيلة للاعتراف بالآخر وحقه في الوجود والعمل والمشاركة والتعبير عن الهوية (دينية او ثقافية او عرقية)، وهي مظلة إنسانية كبيرة يعيش تحتها أبناء الدولة بوصفهم مواطنين بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم وانتماءاتهم الحزبية والاجتماعية والفكرية والطائفية، ان الدولة كيان مدني بطبيعته وبهذا المعنى تكون الدولة ملكًا للجميع ومن أجل الجميع، وتلك أرقى أشكال الديمقراطية.
والديمقراطية في النهاية هي العقلانية في السياسة التي تعني في المقام الأول إحلالاً للعقل في الحياة العامة وإدارة المؤسسات والحياة الجماعية، وكما تعني تقيدًا كليًا بالقانون بما هو أعلى تمظهرات هذا العقل، والعقلانية أيضًا نوع من الرشاد الذي يحل الفعالية في إدارة الحياة العامة وفي حكم الناس وفي تسيير الشؤون العامة، بما يحقق علوية القانون. وعليه فلا مناص من الديمقراطية وإن طال السفر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها