النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

عندما تكون السياسة.. بلا ضمير.. ولا عقل!

رابط مختصر
العدد 10151 الإثنين 23 يناير 2017 الموافق 25 ربيع الآخر 1438

تجددت في الأسبوع الماضي، المناظرة بين المدافعين عن حق الإعلام في بث ما قد يقع بين يديه من «وثائق سرية» والمدافعين عن الحق في الخصوصية، على خلفية إذاعة إحدى القنوات الفضائية المصرية لمجموعة من المكالمات الهاتفية التي دارت بين «د. محمد البرادعي» - النائب الأسبق لرئيس الجمهورية - وبين شقيقه وعدد من أنصاره، وغيرهم في سياق المشاورات التي جرت حول سيناريو المستقبل عقب تخلي الرئيس الأسبق «حسني مبارك»، عن منصبه، فجددت - كذلك - اهتمامي بعدد من وقائع التاريخ المصري ذات الصلة باستخدام الوثائق السياسية - الصحيحة أو المصطنعة - في المكايدات السياسة.. وذكرتني بعبارة الزعيم المصري «مكرم عبيد» التي تقول «ليس للسياسة ضمير في أي بلد من بلاد الله، أما في مصر.. فليس للسياسة عقل أيضًا».
من بين هذه الوقائع، قضية الوثائق المزورة، التي بدأت أولى فصولها، حين اتصل أحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين المعارض في أوائل فبراير 1951، برئيس الحزب «د. محمد حسين هيكل باشا» وأخبره أن ضابطًا سابقًا من ضباط الجيش المتقاعدين يدعى «محمد حسين هجرس» أطلعه على صورة بالقلم الرصاص، من خطاب أرسله «مصطفى النحاس باشا» - رئيس مجلس الوزراء وزعيم حزب الوفد - إلى مفوضية الاتحاد السوفييتي بالقاهرة، وأنه يستطيع أن يحصل على أصل هذه الرسالة، مقابل بعض المال الذي يطلبه حائزها ثمنا لها.
وكانت العلاقات بين حزب الوفد الحاكم والقصر الملكي من جانب، وبين حزب الأحرار الدستوريين من جانب آخر قد وصلت إلى حد القطيعة، بعد أن استصدرت الحكومة من القصر مراسيم أسفرت عن الإطاحة بعدد من ممثلي أحزاب المعارضة من عضوية مجلس الشيوخ - الغرفة الثانية للبرلمان - في مقدمتهم رئيس حزب الأحرار «هيكل باشا» الذي كان يرأس آنذاك هذا المجلس.
وما كاد زعيم المعارضة يطلع على مسودة الخطاب، ثم على صورة منه، حتى أدرك خطورة ما يتضمنه، إذ كان «النحاس» يخطر فيه الوزير السوفييتي المفوض بأنه أصبح قليل الرجاء في أن تنجح المحادثات التي كانت حكومته تجريها مع البريطانيين بشأن الجلاء عن مصر، وأنه متى تحقق من إخفاقها سوف يتعاون مع الاتحاد السوفييتي، ويعبر - فضلاً عن ذلك - عن شكره للمفوضية على ما تقدمه لحزب الوفد من معونات مادية.. ولأن الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشيوعي بأكمله، كان العدو الأكبر للبريطانيين وللقصر الملكي، فقد أيقن «هيكل باشا» خاصة بعد أن اطلع على توقيع «النحاس» الذي يعرفه عليها، أنه أمام وثيقة صحيحة سوف تطيح بالحكومة، وتدمر حزب الوفد وتدفع رئيس الوزراء والحزب الذي ينتمي إليه بالخيانة الوطنية، وبالتجسس - مقابل الحصول على مساعدات مادية - لحساب الاتحاد السوفييتي، وتفقده كل ما له من رصيد شعبي تكون له، منذ قاد الحركة الوطنية في ثورة 1919.
وعلى سبيل الاحتياط، طلب «د. هيكل باشا» من «محمد علي علوبة باشا» - أحد أقطاب الحزب، أن يلتقي «هجرس» ليتحقق بحكم خبرته السابقة كوزير للعدل ومستشار سابق بالقضاء العالي - من صحة الوثيقة، فعاد ليؤكد له أنه اطمأن إلى أقواله، وأخذ منه اعترافًا كتابيًا بأن أصل الوثيقة مودع في محفوظات المفوضية السوفييتية.
وعلى ضوء ذلك كلف «هيكل» أحد أبناء عمومته يتقن التصوير الفوتوغرافي بأن ينقل صورة من «الوثيقة».. وحصل «هجرس» على خمسين جنيهًا ثمنًا لها.
وفتح إتمام الصفقة شهية «هجرس» لتقديم وثيقة أخرى، كما دفع أقطاب حزب الأحرار لشرائها بثمن أكبر من الأولى إذ لم تكن - فحسب - مجرد خطاب موجه من «النحاس» إلى الوزير المفوض السوفييتي أو تحمل توقيعه وحده، بل كانت تحمل أيضًا توقيع «إبراهيم فرج» - القائم بعمل وزير الخارجية - ثم إنه كان محررًا بخط اليد - وليس على الآلة الكاتبة كسابقه.
وكان صاحب هذا الخط هو «محمود شوقي» سكرتير عام مجلس الوزراء، وابن شقيقة النحاس، فضلاً عن هذا كله، فإن الخطاب كان يتضمن إشارة خلاصتها أن النحاس «يشعر بأن هناك تعديلاً مهمًا سيجري في القيادة وأنه سيبذل جهده لمنع هذا التعديل قبل وقوعه».
واستقر رأي أقطاب الحزب على تقديم الوثيقتين للقصر الملكي، وتسلمهما رئيس ديوان الملك من رئيس الحزب ولم يبدِ أي شك في صحتهما، وبعد ستة أسابيع، عاد هيكل باشا من رحلة إلى الخارج ليعلم أن الديوان الملكي أعاد الوثيقتين إلى «علوبة» باشا، بعد أن ثبت له أن الخط الذي كتبت به الوثيقة الثانية ليس خط محمود شوقي.. وكانت مفاجأة زعيم المعارضة كاملة، حين استدعاه النائب العام للتحقيق معه في بلاغ تقدم به «النحاس» ضده، وضد عضوين آخرين بمجلس الشيوخ من أقطاب الحزب يتهمه فيه بتزوير الوثيقتين واستعمالهما بتقديمهما إلى الديوان الملكي.
وتشعب التحقيق ليكشف في النهاية أن مزور الوثيقتين هو موظف بمصلحة السكة الحديد يدعى «عبدالعزيز جاد الحق» يتصل بالمفوضية السوفييتية عن طريق ثلاثة موظفين يعملون بها، وبتفتيش منزله عثرت الشرطة على غرفة مليئة بالوثائق المزورة، بينها أصل الوثيقتين اللتين قبض ثمنهما من «هجرس».
واعترف وزير الداخلية الوفدي فؤاد الدين سراج الدين بأنه وشريكه كانا يقدمان خدمات أمنية لوزارته، ولكنهما استغلا الفرصة للنصب على الآخرين بتزوير الوثائق وبيعها.
وكان الذي أدهش «د. هيكل» أثناء التحقيق وبعده، هو ثلاثة أمور، الأول: هو أن «النحاس» قد أرفق بالبلاغ الذي قدمه ضده صورة من الوثيقتين مما يدل على أن رئيس الديوان قد أحال صورة منهما إلى الحكومة، على الرغم من أنه أعادها إلى «علوبة باشا» وأكد له أن القصر تثبت من تزويرهما، والثاني: أن النائب العام كان يتعامل معه أثناء هذا التحقيق بروح عدائية تستهدف التوصل إلى اتهامه بأنه ضالع في تزوير الوثيقتين، أو على الأقل أنه استعملهما وهو يعلم بتزويرهما، ولم يهتم بتحقيق دفاعه الذي قام على أساس أنه قدم الوثيقتين للقصر طالبًا أن يقوم بالتحقق من صحتهما.. أما الثالث: فهو أن النائب العام حفظ التحقيق بالنسبة لأقطاب حزب الأحرار الدستوريين، ليس لأنه قد انتهى إلى عدم صحة الوقائع المنسوبة إليهم بالتزوير واستعمال محررات مزورة، ولكن لأن الدلائل على عدم علمهم بتزويرها ليست كافية!
وصدق مكرم عبيد حين قال: ليس للسياسة ضمير في أي بلد من بلاد العالم.. أما في مصر - وغيرها من بلاد العرب - فليس للسياسة عقل أيضًا!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها