النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

البلوى والسلوى: «ديمقراطيّونا» غير الديمقراطيين

رابط مختصر
العدد 10146 الأربعاء 18 يناير 2017 الموافق 20 ربيع الآخر 1438

يصنفون أنفسهم بالديمقراطيين، مع إضافات نعتية تتراوح بين الوطنية والإسلامية والتقدمية، المهم ان القدر المشترك بينهم هو (الديمقراطية)، التي لم تعد محل خلاف كمسمى، ولكن مدلولها يختلف من فريق الى آخر، الى درجة افراغها من مضمونها الأصلي، ويمكن اختزال هذه الترجمات الديمقراطية الى ثلاث:
- الموقف الذي يختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع اعتقادًا انه يشكل الأغلبية، وهذا الموقف يرى الديمقراطية تنجز لمرة واحدة فقط، عندما تمكنه نتائج الانتخابات من الوصول الى السلطة، وبعدها تبدأ مرحلة جديدة «بسط الحكم الإلهي على الأرض»، فالمهم هنا هو القبض على مفاصل السلطة، وليس مهمًا هنا الطريقة التي تحقق هذا الهدف، (انتخابات - استفتاء - ثورة انقلاب...) ويمثل هذا الموقف تيار ابتلع الإسلام واحتكر الحديث باسمه.
- الموقف الثاني: يرى في الديمقراطية حلاً لما يسميه الاستبداد والانفراد بالسلطة، ويرى انها لا يمكن ان تبدأ إلا عندما تتم الإطاحة بالاستبداد، وبسط الديمقراطية «الشعبية»، ولذلك فهو غير معني بنقاشات الإصلاح والتطوير، وانما بالثورة بكافة معانيها. وهذا الموقف يمثله جزء من قوى تصنف نفسها ديمقراطية ثورية.
- الموقف الثالث: يرى الديمقراطية تمشيًا (process) يستلزم وقتًا وجهدًا وصبرًا وشراكةً وتدرجًا وفقًا لأوضاع المجتمعات وطاقة احتمالها، حتى لا يتم قلب الأوضاع رأسًا على عقب، فعندما تتشرب المجتمعات الحرية والديمقراطية والتنوع والتسامح في الثقافة والتربية والاعلام، وعندما يتم تثبيت دولة القانون والمؤسسات والشفافية والرقابة وحقوق الانسان، فإن جوهر الديمقراطية يكون قد تحقق، ولم يبقَ سوى الترجمة السياسية لها، وبهذا المعنى يكون الطريق اليها في تعزيز ودعم الإصلاح ومقاومة الفساد والدفاع عن الحريات والحقوق والعمل على ترسيخ قيم العدالة والمساواة.. وهذا الموقف مبثوث في أكثر من تيار، إلا ان صوته خفيض.
والحقيقة أن هذا الموضوع ترتبط به إشكالات لابد من التوقف عندها:
أولاً: ضغوط الخارج المستندة الى شعار تعميم ونشر الديمقراطية في الوقت الذي كان فيها البلد يمضي قدما نحو تكريس ديمقراطيته الخاصة (انتخابات - وبرلمان فاعل - وحريات إعلامية واسعة - قانون للجمعيات السياسية - قانون لمباشرة الحقوق السياسية - مساواة بين الرجال والنساء... فصل بين السلطات.... وجهود لمحاربة الفساد-تنمية مستدامة الخ)، مما أربك الحركة الإصلاحية التي كانت تتحرك الى الامام بصعوبة ولكنها كانت تنجز، فأفضى ذلك إلى دوامة «المواجهة» الأهلية التي انتهت بالجميع الى المربع الأول، وذلك لأن ما حدث في البحرين كان مختلفًا عما حدث في بلدان الربيع العربي، فالقصة لم تنطلق من لحظة استبداد او ظلم فاحش، بل انطلقت من لحظة كانت البلاد فيها تتقدم حثيثا على طريق الإصلاح والمراجعة والقابلية للتطوير. وفي مقابل المرحلية السياسية في الإصلاح الديمقراطي التي اختارها المشروع الإصلاحي كانت هنالك محاولة للقفز في الهواء على الواقع ومعادلاته والواقعية.
ثانيًا: الإسلام السياسي قام بعملية مخاتلة كبيرة عندما قدم نفسه على انه مع الديمقراطية في سياق الحديث عن «مدنية الدولة» حيث يبدو للوهلة الأولى كمفارقة غريبة بأن تصدر مثل هذه التأكيدات من تيارات معروف عنها تأييدها ومطالبتها بإنشاء دولة دينية، بل وبالعودة إلى نظام الخلافة الإسلامية في بعض الأحيان، ووجه المفارقة أيضا أن الدولة العلمانية هي النموذج المقابل للدولة الدينية بالمفهوم الكنسي الذي ساد في العصور الوسطى، فيبدو وكأن أصحاب الدعوات من التيارات الدينية يدعون أنهم يوافقون على بناء دولة «علمانية» طالما أنهم يديرونها. ولكن فحص المقاصد والتأويلات والتفسيرات لمصطلح «الدولة المدنية» لدى هؤلاء يؤول إلى القول إن أغلب هذه التيارات ترى، أن «الدولة الإسلامية» في مجملها «دولة مدنية» لأن حكامها لم يكونوا رجال دين، وإن كانت الدولة تطبق أحكام الشريعة، وبهذا المعنى فهم يؤيدون قيام دولة يكون الوصول للحكم فيها بطريقة الانتخاب طالما أنهم يضمنون الأغلبية... دولة فيها انتخابات وبرلمان ورئيس منتخب ووزارات وأنظمة وقوانين وتشريعات ورقابة ومحاسبة.. إلخ، في حين أن مفهوم الدولة المدنية - هو الدولة الديمقراطية - ويرتبط بالضرورة بالمساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم بسبب الاختلاف في الدين أو الجنس أوالخلفية الاجتماعية والجغرافية والطائفية، وتكون فيها مؤسسات الدولة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية منفصلة بعضها عن بعض، ويديرها مدنيون يخضعون للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة، ولا دخل لرجال الدين في إدارة شؤون الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا سلطة لهم ولا سلطان، فهم مواطنون كبقية المواطنين، ولكن استبعاد رجال الدين من السلطة، لا يعني استبعاد المتدينين منها، ولكن المقصود ألا تجتمع السلطتان السياسية والدينية في قبضة واحدة.
إن مدنية الدولة تمنع تحويل السياسة إلى صراع حول العقائد الدينية أو الشرائع السماوية (بين مؤمنين وغير مؤمنين)، بل تبقيها صراعًا سلميًا بين رؤى وأفكار وبرامج وقوى ومؤسسات لاختيار الأفضل للدولة والمجتمع.
ومدنية الدولة تعني كذلك خضوع الجميع للقانون، والطرح العلني لجميع الرؤى والأفكار والبرامج الهادفة لتحقيق الصالح العام في ظل قبول التعددية واحترام الرأي الآخر. وبهذا المعنى فالدولة المدنية هي الدولة الديمقراطية التي تدار بمضمون ديمقراطي يضمن الحريات العامة والخاصة والحق في الاختلاف واحترام حقوق الأقليات وعدم التمييز بأي شكل من الأشكال بين المواطنين، ويديرها أهل الاختصاص في الحكم والإدارة والتخطيط والسياسة والاقتصاد والتقنية، وليس علماء الدين. فهناك رابط قوي بين «الدولة المدنية» وبين الديمقراطية بمفهومها الليبرالي، فلا يمكن الفصل بينهما حتى لا تتحول مدنية الدولة إلى مجرد شكل خارجي يقتصر على الانتخابات ونواتجها التي تمنح الأحزاب الدينية شرعية التسلط على الدولة والمجتمع باسم الدين. فديمقراطية الدولة تعني بالضرورة رفض ولاية رجال الدين أو الحزب الديني مطلق الصلاحيات، ولذلك فإن الذين يتحدثون عن أن «الشعب هو مصدر السلطات» يجب أن يعلنوا صراحة، قولاً وفعلاً تحررهم من هذا الفكر؛ لأننا لما نعلن أن «الشعب هو مصدر السلطات» فإن ذلك يعني أن هذه «السلطات مدنية بالضرورة وليست دينية» ومن اللازم أن تتكون عبر مشاركة المجتمع بمختلف شرائحه وفئاته، والأفكار والاتجاهات والتيارات الفكرية والثقافية الموجودة فيه، ولا نقصد هنا فصل الدين عن الدولة، لأن الدين مكون أساس من مكونات المجتمع. فرجل الدين جزء من المجتمع، ولكنه لا يلغيه بالنيابة عنه، فالديمقراطية تبدأ أولاً بالتخلص من الوصاية على الناس وضمائرهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها