النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

بابا نويل يحمل رشّاشًا

رابط مختصر
العدد 10144 الإثنين 16 يناير 2017 الموافق 18 ربيع الآخر 1438

من ينبش في الإرث التاريخي العثماني حتى انهيار الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، يدرك بكل بساطة تلك التيارات الأصولية التي مارست الذبح والتطهير العرقي مع الأرمن وغيرهم من اليونانيين على أساس ديني، بل ولم تكن تلك الاتجاهات الدينية الأصولية مع الاتاتوركية العلمانية أقل رحمة وإنسانية، حيث كان هناك قطبا الصراع بين إرث الخلافة الإسلامية والنزوع نحو الحداثة الأوروبية، حيث ظلت تركيا الكمالية شكلاً حداثيًا على مدار عقود متتالية فيما واقعًا تختزن في البنية المجتمعية والوعي الاجتماعي وخاصة في عمق الريف والأطراف وضواحى المدن الكبرى ظاهرة الفقر والتعصب الديني، ولم يهمها دول الناتو الحلفاء يومها مع تركيا إلا مدى الاستفادة من تركيا كمتراس جغرافي لمواجهة عسكرية مع الاتحاد السوفيتي والخوف من خطر تمدد الشيوعية نحو منطقة الشرق الأوسط، يومها تعاونت وتظافرت جهود كل الاتجاهات اليمينية الدينية والعسكرية والمدنية في مواجهة اليسار المتنامي في الداخل، لم تلتفت دول الناتو لتنمية وتطوير المجتمع والاقتصاد التركي لفترة طويلة، فكانت التربة خصبة ثقافيًا واجتماعيًا للفكر الديني المتشدد أولاً والسلفي ثانيًا كمرتعٍ حيويٍ هام، تلك الحاضنة الظلامية كتب عنها الشاعر التركي ناظم حكمت عام 1919 قصيدة بعنوان «القوة السوداء» ويا لها من سوداء فكرًا وشكلاً بالملابس ايضًا قال ناظم: «خلال جملة من العصور تسللت الى هذه البلاد، ظلمات القوة السوداء، تسللت إلى أطهر القلوب وأنقاها، بدلاً من الأنوار الأزلية للسموات.
خلال جملة من العصور بقيت هذه القوة السوداء جرحًا نازفًا في أرواحنا، يحمحم مثل ذئب عطشان، حين تحاول البلاد أن تجري نحو النور» ص65 الأعمال الشعرية الكاملة. الجزء الأول. نبوءة شاعر أمضى أكثر من 15 عامًا في السجون التركية واثني عشر عامًا في المنفى، كلها ثمنًا فادحًا وباهضًا من أجل تركيا علمانية جديدة متقدمة ومزدهرة، فقد كانت قوى الظلام كلها متحالفة ضد أفكاره التنويرية الساعية للتغيير.
اليوم يهتز قبر ناظم في مقبرة روسية منسية، ليذكر العالم أن ما يحدث في بلاده ليس نتاجًا للصدفة التاريخية وإنما مقدمات طبيعية لتلك الضرورة الفكرية الرجعية التي تفرز نبتات ضارة بين الأعشاب. وسواء جاء شاب من عرق اليغور الصيني، والذي احتضنته منظمات تركية رسمية وشبه رسمية لتقدم نفسها مدافعًا عن حقوق الإنسان ضد الصين أو غيرها من أعراق، وكما نقول بالبحريني «خبز خبزتيه اكليه!» فذلك الشاب الذي تخفى بملابس بابا نويل وتسلل لداخل الملهى ليس ظاهرة وحيدة شاذة ففي تربة وعمق المجتمع التركي الكثير من أمثاله، فتركيا حاضن معروف ومفتوح لكل المنظمات الإسلامية في آسيا الوسطى والشيشان والتتار والشرق الأوسط، تركيا وحزبها الحالي يمثل الأب الروحي لتلك المنظمات وكم استعملها ووظفها وجندها في لعبة الصراع الجيوبولتيكي مع جيرانه جميعهم، فتارة تصبح تلك الورقة مشروع مساومة وتارة مشروع ابتزاز، حسب اللحظة السياسية المضطربة، وبات الأتراك في ورطة دولية تؤكد مفارقتها المتناقضة حول تنغيمها وتر محاربة الإرهاب ومحتضن لكل تفرعاته، ولا نعجب أننا نسمع أن تركيا لم تحارب بقوة تنظيم داعش وإنما كانت تصده عن حدودها، متناسية أن تسربهم يصبح سهلاً طالما لا زالوا خلايا وقوة تنظيمية موجودة في تلك البقعة الجغرافية «العجيبة الغريبة» والروس وحدهم من يرون انه يجب القضاء عليهم عن بكرة أبيهم قبل ان تعود تلك العناصر الى المناطق القريبة الى روسيا وتربك موسكو ومدنها بتلك الأعمال الإرهابية، فرؤية روسيا أعمق وأبعد من ذلك استراتيجيًا لتوسع وانتشار الخلايا الإرهابية، فليس العراق واليمن وسوريا وغيرهم من بلدان إلا ساحة قتال لملاحقة الجرذان قبل وصول الطاعون اليهم.
فلسفة الروس إن لم تستطع قتل السمك في الماء فلابد من تجفيف الماء، لهذا معركتهم واسعة الأبعاد والزوايا، اقتصاديًا وسياسيًا واستخباراتيًا وعسكريًا.
والغريب أن تركيا رسميًا ترفض انتقادات العالم كله لسياساتها إزاء جدية محاربتها لداعش بشكل مطلوب فبعد حادث الملهى انبرى رئيس وزراء تركيا بن علي يلدرم بصوت عالٍ وبحدةٍ موجهًا انتقادته: «إذ اعتبر العالم ينام ويستيقظ على ذكر داعش، لكنه لا يكافحه في شكل فعلي بل يقول ما لا يفعل، تركيا وحدها تكافح التنظيم». بدا لي هذا الكلام بعلته مثار استغراب مضحك وارتباك واضح في السياسة الخارجية مثلما هو تخبطها في السياسة الداخلية، فالتبرير والمسوغات لن يقنع العالم الذي يرى ويسمع ويعرف ما هو حقيقة الموقف التركي ولعبته مع ورقة كل المنظمات الإسلامية المتشددة التي يحتضنها بحنان وعطف لا نظير لهما.
وفي تلك الأونة نفسها من ارتباك رئيس الوزراء كان على وزير داخليته سليمان صويلو أن يجيب على أسئلة البرلمان، فما كان منه إلا تقديم إحصائية لا تبرر ما حدث ولا تجيب على صلب الموضوع، فقد تحدث بحماس رجل الأمن بأن السلطات أحبطت 339 هجومًا محتملاً عام 2016 نصيب داعش منها 22 هجومًا، غير أن الوزير لم يقل لنا لماذا لم تكن هناك عملية استباقية للهجوم رقم 340، ولم يقل ما هو في أسرار الملفات، فحوادث التفجيرات الصغيرة والكبيرة في أزمير وغيرها تفند أباطيل حرفة «الكذب» فلا أحد يقول إننا بحاجة لمضاعفة بناء جهاز أمني قوي فالأرهاب ما عاد خارج تركيا وإنما الأرهاب بات في عقر دارها لهذا كان بابا نويل يرقص فرحًا برشاشه ليلة رأس السنة، ولا زال حتى هذه اللحظة بابا نويل هاربًا برشاشة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها