النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

باختصار يا صديقي.. الكلمة الصادقة طريقنا الوحيد إلى الحرية

رابط مختصر
العدد 10144 الإثنين 16 يناير 2017 الموافق 18 ربيع الآخر 1438

عقب أحد الأصدقاء المتابعين لبعض ما نكتب على المقال السابق حول (الصورة المناوئة للعرب والمسلمين في الخطاب السياسي الغربي)، مؤكدًا «قد يشي ما ورد في مقالك بنزعة تبريرية - وإن كانت غير مباشرة - للعنف الذي يمارسه بعض العرب والمسلمين في سياق رد الفعل على الظلم او الاحتلال الذي يتعرضون اليه»، مضيفًا: «إن العنف لا يمكن ان يولد إلا العنف، والنزعات العنفية المتوحشة التي تتسم بها تصرفات بعض العرب والمسلمين لا تخدمهم ولا تخدم قضاياهم في النهاية». وخلص الصديق الى القول في تعقيب طويل: «ليس أمام العرب والمسلمين المظلومين إلا النضال السلمي من موقع الضحية الذي يجلب تعاطف العالم معهم، هكذا فعل غاندي وهكذا نجح»!
وأضاف الصديق في تعقيب طويل ألخص أهم ما ورد فيه:
- «لقد قرأت مقالكم فوجدت الخلاف بيننا لا في الجوهر بل في بؤرة التركيز، ففي حين تؤكدون أن أعمال العنف من جانب العرب يتعين ألا تحجب العنف الوافد إلينا من الآخر، فإنني أرى أن نقدنا لعنف الآخر يتعين ألا يحول دون النقد الذاتي لما يبدر
منا من عنف»..
- «هل يبرر عنف الآخر عنفنا؟ ومقابل ذلك هل يبرر عنفنا الشروع في النقد الذاتي أم الاستمرار في نقد عنف الآخر واعتباره مبررًا لاستبعاد النقد الذاتي أو على الأقل تأجيله؟
وهنا دخلنا في مسألة ثالثة مجاورة هي أيضا لكن مختلفة، وهي: هل نبرر العنف بالعنف ونسقط في الربط الميكانيكي السببي بين عنفهم وعنفنا (كما عند عامة الناس) أم ننتقد العنفين، فننقد الآخر والذات كليهما (كما تفعل النخبة)؟ هنا تثور مسألة «العنف» الفلسطيني، وهنا أقول إن هذا العنف استثناء مشروع طبقًا للقانون الدولي الذي اعترف بحق الشعوب المستعمرة في مكافحة الاستعمار».
تلك أهم النقاط الواردة في التعقيب، وعليه قلت للصديق: دعنا نأخذ المسألة نقطة نقطة في إطار تدوير زوايا النقاش:
- أولاً: دعنا نتفق بداية أن الأمر الذي تحدثت عنه لا علاقة له بالتبرير، وإنما باشتغال الصورة الذهنية عبر السياسية والإعلام، إذ تقوم الأمم المتصارعة، في الغالب باستبطان صورة ذهنية عن العدو تتألف في المجمل من صفات شريرة أو محتقرة، (الدول الشريرة وفقًا لتوصيف الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن)، وبالمقابل تكون هذه الأمم أو الشعوب، عن نفسها وعن حلفائها صورة أخرى، مقابلة تحوي أحسن الصفات الإنسانية (خير أمة أخرجت للناس - شعب الله المختار...) ويحاول كل طرف في معركته لكسب قلوب وعقول ودعم الرأي العام الداخلي والعالمي، أن ينقل صوره الذهنية عن الطرف الآخر إلى أطراف ثالثة، بهدف التأثير في سياساتها واتجاهاتها وسلوكها مواقفها (والصراع العربي - الصهيوني نموذج مناسب لمثل هذه المعادلة).
- ثانيًا: أن الاستنجاد بصورة الضحية كمرتكز للنضال السلمي من أجل الحقوق العربية المنتهكة لم تفد كثيرًا، فمن المعروف أن الإسرائيليين قد احتكروا صفة (الضحايا الدائمين)، ولذلك نجحوا عبر الدعاية في جر الرأي العام الأمريكي والغربي عامة إلى جانبهم، وإلى ترويج مقولاتهم وسياساتهم، حتى أصبحت مقبولة، مما جعلهم ينظرون إلى اليهود في فلسطين المحتلة وكأنهم «ضحايا» «العنف» العربي و«الإرهاب» الفلسطيني، أما المشكلة الفلسطينية فينظرون إليها كنتيجة «لظروف مؤسفة».. من دون تشخيص لمصدر المشكلة ومسببيها وخلفياتها الحقيقية. وبالرغم من ان العرب والفلسطينيين قد قبلوا بتنفيذ القرارات الدولية وبالحلول السلمية وقدموا التنازلات الكبيرة، فإن ذلك لم يفد في شيء إلى تاريخه.
- ثالثًا: بالنسبة للتنديد بالعنف فإننا متفقون جميعًا أننا ضد العنف والإرهاب والتوحش الذي يستهدف الإنسان والحضارة من أي جهة كانت، وضد أي عنف يمارس من خارج القانون أو من خارج القانون الدولي، فقد رفضنا في حينه وبشكل لا لبس فيه رفضًا مطلقا - ومن دون قبول أي تبرير - للأعمال الإرهابية التي تعرض لها ويتعرض العالم من أي جماعة إرهابية مهما كان دينها او قوميتها أو فكرها، بما في ذلك اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية المدانة، وإذن لا تبرير ولا قبول للإرهاب والعنف، مهما كان مأتاه.
- رابعًا: المشكلة تبدأ من السعي المحموم والمغشوش لإخفاء الصورة الأخرى للعنف والتوحش الذي عاينه وما يزال يعاينه العالم الى اليوم، والسعي الى السكوت اللاأخلاقي عن انتهاك القانون الدولي، والتعدي على الشعوب، وعلى استقلال وسيادة الدول، فلا يمكن هنا - وفي مقابل صورة التوحش الداعشي والمليشاوي والطائفي الجنوني - أن نتجاهل او أن نسكت عن صور التوحش الأخرى، مثل الدراما العراقية في سجن أوغريب العراقي والتعذيب والامتهان للكرامة الإنسانية مع ترسانة التبريرات التي تم تسويقها حول (العنف والتوحش في السياسة) التي تبدو مفارقة لمنطق الحرية وشرعة الحقوق والمبادئ التي كافحت البشرية من أجلها على امتداد القرون الماضية، فلا أحد تقريبا يمكنه ان يقبل الرواية الامريكية او الإسرائيلية حول العنف والقتل والتعذيب، في عصر المدنية، ولا أحد يكاد يفهم الوحشية التي مارسها (بعض الجنود ضد أعدائهم) كحالات يقال إنها شاذة، إلا بالعودة إلى منطق عصر الرمح والنشاب، عصر ما قبل القانون والدولة، فهذا الموقف الثأري الذي أوصل إلى معاملة غير إنسانية للسجناء في غوانتانامو أو فتح النار على النساء والأطفال وسط أحد الحشود في بغداد، ليس فقط ترجمة لمنطق القوة العظمى الفخورة بنفسها، المصابة بمرض العظمة والتي تدعي فرض قانونها على العالم مهما كان الثمن، بل ان جذورها التاريخية ترجع إلى مفهوم للحياة، هو بمثابة نفي للمجتمع المدني والتجمع الانساني في حد ذاته.
- خامسًا: صحيح أن هذا التفسير قد لا يكون صحيحًا في المطلق، لكنه مع ذلك يمثل خطًا أحمر يبين العنف الوحشي الوارد الذي تمارس القوة العظمى، وصولاً إلى الرغبة العنيدة في حل النزاعات الدولية بطرق غير شرعية، من خلال قتل المدنيين وإسقاط الأنظمة استنادًا إلى القول بمساندة الحرية وتشجيع الديمقراطية، وبين العنف المتوحش الذي تمارسه جماعات إرهابية خارجة عن القانون وعن منطق الحياة، يمكن قمعها ووضع حد لها (نستذكر هنا أن الرئيس الأمريكي المنتخب السيد ترامب قد أوضح في مؤتمره الصحفي الأخير: أن باراك أوباما هو وراء صناعة داعش) (هكذا!!)..
باختصار، (يا صديقي) لا أحد تقريبًا يمكن أن يقبل رواية العنف الأمريكي والغربي الوحشي في العراق وفي أفغانستان، والقتل والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية للسجناء في غوانتانامو وفي بوغريب. والإفراط في استخدام القوة العسكرية واعتبار المناهضين للهيمنة على العالم خارجين على القانون، أو مجرد حتى مجرّد (أشرار)، ومحاولة فرض العملقة بالقوة هي من بين الأسباب التي جرت العالم إلى منازعات لإخفاء المشكلات الحقيقية التي خلقها نظام الجشع الرأسمالي الذي ترجم كنظام عالمي جديد، وأنتج اشكال العنف في الأفعال وردود الأفعال (التي لا نبررها).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها