النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بكائية في وداع جناب «السفير»

رابط مختصر
العدد 10144 الإثنين 16 يناير 2017 الموافق 18 ربيع الآخر 1438

تتالت نذر السوء، تحمل خلال الأعوام القليلة الماضية، خبر مصرع صحيفة أو مجلة من الصحف العربية التي عاصرت نشأتها أو أدركتها في سنوات ازدهارها، وأمضيت آلاف الساعات أستمتع بقراءتها وأتعلم منها، وأتأثر بما تحفل به صفحاتها من أنباء وتحليلات وآراء وأفكار، وأكتب في بعضها وأتابع ما تنشره عما تتعرض له الأمة من انتصارات وانكسارات، وما انطلق إلى فضائها من زغاريد الفرح وتباريح الألم.
أحدث أنباء السوء التي حملها اليوم الأول من هذا العام، هو خبر احتجاب جريدة «السفير» اليومية البيروتية، بعد اثنين وأربعين عامًا من صدورها عام 1974، والبيان الذي أصدره صاحبها ورئيس تحريرها «طلال سلمان» يودع فيه قراءها.. ويشرح الأسباب الذي اضطرته إلى التوقف عن إصدارها، وهي أسباب لا تختلف كثيرًا عن تلك التي قادت صحفًا ورقية أوروبية وعربية عريقة إلى حتفها، لعجزها عن منافسة الصحف الإلكترونية الأقل تكلفة والأسرع في تقديم الخدمات الصحفية خاصة الإخبارية، فضلاً عن تدهور أسعار النفط، الذي كان جزءًا من عوائده يذهب - في البلاد العربية - إلى دعم المشروعات الصحفية والثقافية، وزيارة أسعار خامات صناعة الصحف الورقية التي تستورد بالعملات الصعبة، والركود الاقتصادي الذي ضرب العالم العربي وضرب الطبقات الوسطى منه، وهي المستهلك الرئيسي للصحف والمجلات والكتب.
على امتداد العقود الأربعة، كانت «السفير» أحد أهم المثابر الصحفية التي صدرت لكي تطلق آخر صيحات الدفاع عما كان يعرف في زماننا البعيد السعيد، بـ «المشروع القومي العربي» وسط ظروف بدأ فيها الحديث عن استثمار نصر أكتوبر 1973 سياسيًا بثمن بخس لا يتناسب مع ما حققه من مجد عسكري، هو إنهاء الصراع العربي /‏ الإسرائيلي، وتتالت تصريحات رسمية تقول إن هذه الحرب هي آخر الحروب، وارتفعت نبرتها مع توالي الضربات التي تلقاها حلم جيلنا بإقامة دولة عربية واحدة، تمتد من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر، ويتم في ظلها تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، واسترداد لواء الإسكندرونة السليب، ويشطح الخيال ببعض تياراته، إلى حد الحلم باستعادة الأندلس، فردوس العرب المفقود، فإذا بهذه الضربات تتحدى الحلم، وتحوله تدريجيًا إلى كابوس قادنا إلى ما نحن فيه اليوم.
نشبت الحرب الأهلية اللبنانية.. وخرج الفلسطينيون من لبنان واحتل الإسرائيليون جنوبها، وزار رئيس أكبر دولة عربية القدس المحتلة، لكي يعرض على الكيان الصهيوني مبادلة الأرض المحتلة بالسلام والتطبيع معًا واشتعلت نيران الحرب العراقية الإيرانية، وامتدت نيران الحرب الأهلية إلى الجزائر، لتتفكك جهة الصمود والتصدي التي تشكلت من الدول العربية المناهضة للصلح مع إسرائيل، لتحل محلها الجبهة العربية لإطلاق الرصاصات الصديقة: احتلت العراق الكويت، وأجبرت على الرحيل منها بعد أن تدمر جيشها وخضعت لحصار دولي انتهى باحتلال أمريكي لبغداد التي نظر «هارون الرشيد» ذات يوم لحمامة تطير في سمائها وقال يخاطبها: طيري إلى أي أرض تستطعين الوصول إليها.. فسوف يأتيني خراجها! وبوصول الأمريكيين إلى بغداد، حزم الفلسطينيون حقائبهم وذهبوا إلى «أوسلو» ليوقعوا اتفاقية سلام مع إسرائيل، بشروط أقل مما حصل عليه «أنور السادات» في «كامب ديفيد» ومع ذلك فقد تحولت نصوصها - على امتداد ما يقرب من ربع قرن - إلى تفاوض من أجل التفاوض، وهو نفس ما حدث للمبادرة التي أعلن الرؤساء والملوك العرب، في قمة بيروت العربية عام 2002 بمقتضاها، موافقتهم على مبادلة الأرض المحتلة، مقابل السلام والتطبيع، وهى مقايضة رفضها «الكيان الصهيوني» ولا يزال بعد أن أكدت له الشواهد التاريخية أن العرب أعجز من أن يهددوا أمن إسرائيل، وأن الأوان قد آن لكي تستغني عن السلام أو تطبيع العلاقات معهم.
وسط هذه العواصف، استبسلت «السفير» في الدفاع عما تبقى من المشروع القومي العروبي حتى النفس الأخير من عمرها، فحشدت صفوف الذين اتخذوا من صفحاتها متاريس يصدون من خلفها الغارات التي كان هذا المشروع يتعرض لها من داخله ومن حوله: صحفيون وكتّاب وفنانون وسياسيون ومنظرون، ينتمون إلى كل أقطار الأمة، وإلى كل تنويعات التيار نفسه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يتحاورون مع بعضهم البعض ومع غيرهم، ويتحدون ما يحيط بهم وبها من عوامل الإحباط، ويحاولون أن يطفئوا النيران التي أمسكت بتلابيبها من المحيط إلى الخليج، ولا يشغلهم ذلك كله عن محاولة البحث عن الثغرات التي حولت المشروع القومي من حلم إلى كابوس، وعن السعي لتجديده لكي يتواءم مع ظروف نظام دولي كان ينتقل من الحرب الباردة إلى العولمة ومن الثنائية القطبية إلى القطب الواحد، على نحو حرم العرب وغيرهم ممن ينتمون إلى ما كان يعرف آنذاك بالعالم بالثالث من السلاح الوحيد الذي يعتمدون عليه في سعيهم لكي ينالوا حقهم في الاستقلال والرخاء والعدل، وهو سلاح اللعب على التناقضات بين المعسكرين، بعد أن انهار الاتحاد السوفييتي الذي قال الزعيم الهندي «نهرو» ذات يوم: لو لم يكن الاتحاد السوفييتي موجودًا، لوجب علينا - نحن شعوب العالم الثالث - أن نخترعه!
وكانت محاولة «السفير» الباسلة لكي تتحدى عوامل التخريب التي تواصل النحر في جذور المشروع القومي، هي التي أعطتها ألقها وتميزها خاصة في السنوات الأولى لصدورها التي كانت خلالها أقرب ما تكون إلى جريدة قومية عابرة للحدود بين الأقطار العربية، منها إلى جريدة محلية تصدر في لبنان، قبل أن تحاصرها مخافر الحدود داخل حدود البلد الذي تصدر فيه، ثم تحاصرها الحرب الأهلية داخل حدود الضفة الشرقية إحدى الضفتين اللتين انقسمت إليهما العاصمة اللبنانية آنذاك.
تذكرت - دامعًا - وأنا أقرأ خبر نعي «السفير»، أنني عملت محررًا بها من الباطن، ورئيسًا لمكتبها في «معتقل طره السياسي» بعد شهور قليلة من صدورها، حدث ذلك خلال الشهور الأولى من عام 1975، وكانت إحدى العواصف السياسية قد قادتني مع عدد من اليساريين المصريين معظمهم من الأدباء المثقفين، ولأن التهمة الأساسية التي اعتقلنا من أجلها.. وهي الاعتراض على سياسة الاستثمار السياسي الخاطئة لثمار نصر أكتوبر 1973، لم يكن من الممكن تسجيلها في أوراق رسمية، فقد تفتق ذهن الذين شنوا الحملة، عن توجيه اتهامات مضحكة إلينا، لم يسبق لها مثيل، ولم يتلها - فيما أعلم - شبيه، منها أننا شكلنا تنظيمًا سريًا يهدف إلى مناهضة وزارة الثقافة، وكان يتولى أمرها آنذاك المرحوم «يوسف السباعي» وأن بيننا من يكتب أشعار مناهضة للدولة، وكان الشاعر الراحل «أحمد فؤاد نجم» هو المقصود بهذا الاتهام، وأننا نشكل تنظيمًا سريًا يساريًا يدعو لإنشاء اتحاد ديمقراطي مستقل للكتاب المصريين.. وفي أول جلسة نمثل فيها أمام المحكمة للتظلم من قرارات الحبس الاحتياطي، التقيت بعدد من الزملاء الصحفيين الذين جاءوا لتغطية وقائعها، كان من بينهم الصديق «حسين عبدالرازق»، الذي اقترح عليَّ أن أحاول تزويده بأخبارنا، لكي ينشرها على صفحات «السفير» التي كان يعمل آنذاك مراسلاً لها في القاهرة، وحين عدت حولت زنزانتي في السجن إلى مكتب صحفي، أجمع فيه الأخبار وأصوغ التقارير، واكتشفت أن شريكي فيها الفنان التشكيلي «عز الدين نجيب» يسلي نفسه برسم اسكتشات لحياتنا في المعتقل، فاستأذنته في أن أزود تقاريري بهذه الرسوم، فتحمس للاقتراح، وبعد أيام كانت هذه التقارير المصورة تخرج من المعتقل، لتصل إلى «السفير» التي احتفت بها ونشرتها، وبعد ثلاثين عامًا من نشرها على صفحاتها عثر «عز الدين نجيب» على أصولها ونشرها في كتاب.
لحظتها فقط تنبهت وأنا أسير في جنازة «السفير» إلى أنها كان لا بد وأن تستشهد في معركتها الباسلة للتصدي للسوس الذي كان ينخر في جذور المشروع العربي، طالما أن الدولة الوطنية العربية التي تأسست بعد الاستقلال، كانت تحاكم المثقفين والشعراء، بتهمة كتابة قصائد مناهضة.. والدعوة إلى إنشاء اتحاد وطني مستقل للكتاب والأدباء ولم أجد ما أعزي به نفسي سوى أن أردد القول المأثور: إن الجنود الشجعان يدفنون.. ولكنهم - بالقطع - لا يموتون!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها