النسخة الورقية
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:51AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:06PM
  • العشاء
    7:36PM

كتاب الايام

رقصة ما قبل الموت

رابط مختصر
العدد 10140 الخميس 12 يناير 2017 الموافق 14 ربيع الآخر 1438

لم يكن كعادته حي اورتاكوي في اسطنبول هادئًا ما بين احتفالات ليالي عيد الميلاد وليالي رأس السنة، والتي لا تفصل بينهما إلا ستة ايام، ففي قلب ذلك الحي الاسطنبولي كانت أضواء «ملهى رينا» الشهير تتراقص خافتة رومانسية قبل الساعات الاخيرة من الموت، حيث سيبدأ صخب ما قبل اللحظات الوداعية الاخيرة للعام، كان الملهى الرومانسي الشهير لرواده العرب الحضن الدافئ مع متعة ونشوة اللحظات الناعمة، غير ان مضيق البسفور الازرق لن يكون ازرقا كما تغنى به كثيرا الشاعر التركي ناظم حكمت، وقد كان يحلم بزرقته كزرقة عيني زوجته (بيرايه) وهو بعيد في زنزانته وسجنه،

 

مضيق البسفور الازرق الجميل كان امام مشهد صوت الرصاص والدم المتطشر يتلوث بحمرة قانية اهتز العالم من هولها، فقد كانت الحفلة السنوية تحمل في داخلها وبين جنباتها أملاً منتظرًا للعام الجديد، لم يعد المضيق الازرق يفصل بين آسيا وأوروبا جغرافيا، ولكنه هذه المرة تحول الى حلقة اتصال كوني وضجة إعلامية، فما عاد الملهى معروفًا فقط لرواد الليل وعشاقه، وليس «منتجعًا» للفرح والرقص كبقية الملاهي التركية وانما حدث لساحة دم لضحايا من جنسيات مختلفة، حيث قتل الارهابي المهووس 39 روحًا وترك جرحى تجاوزوا الستين إنسانًا بعضهم في حالة خطرة، هكذا بقرار مدروس ومحكم من خلايا نائمة ورثت ارث تنظيم القاعدة وانتشرت في بلدان ومدن عديدة، تنتظر التعاليم والتوصيات العقائدية القادمة من مكان مجهول. كان نصيب الجرحى والموتى العرب اكثر من الثلث، فتركيا أصبحت اكثر البلدان وجهة سياحية مرغوبة يتردد عليها العرب حاليا،

 

لعلهم يجدون فيها الامن والامان والمتعة والمؤانسة، ولكن تركيا لم تعد إلا بركانًا خامدًا وحريق غابة مشتعلة ولغما مدفونًا ولحظة موت مفاجئ، فسلة تركيا وساحاتها العديدة تجمع كافة القوميات والعناصر الاسلامية الهاربة والقادمة من وراء جبال القوقاس وروسيا وآسيا الوسطى وايران وافغانستان والشرق الاوسط كله، تركيا اليوم مركز لذلك التراخي «السياحي!» و«النعيم الاسلامي» المفتوحة ابوابها على مصراعيها وهي نقطة تقاطع وعبور من الشرق الى الغرب، فباتت تدفع ثمن الانفتاح المرن والتسهيلات الرخوة للهاربين من اجهزة بلدانهم، وباتت متهمة الحكومة التركية حينًا بالتواطؤ مع تلك العناصر الاسلامية التي تمر كل استثماراتها وتحويلاتها المالية عبر تركيا الى مشاريع العقار والشركات الجديدة في منطقة البلقان، بعد ان اصبحت اوروبا والاتحاد الاوربي اكثر تشددًا على حركة التحويلات المالية المشبوهة للارهارب، ما وفرته تركيا للاخوان المسلمين وغير المسلمين، وما فرضته موجات الهروب للملايين من آثار الحرب الممتدة من افغانستان وإيران والعراق وسوريا،

 

أتاحت للتنظيمات الإرهابية التسرّب بسهولة مع تلك الموجات الضخمة من اللاجئين، حيث استفادت التنظيمات والعناصر الارهابية من الوضع التركي المنشغل بحدود طويلة ومعقدة من كل الجهات، وفي وضع داخلي أمني مضطرب بالمعارضة العنيفة والسلمية، آخرها الأزمة الخانقة لانقلاب صيف 2016 التي تسببت في مضاعفة الالتفات والتركيز على خطورة الوضع الامني والسياسي على النظام الحاكم، فليس حزب العمال الكردي بات وحده الارق القديم الطويل المزمن يقض مضجعها في الجنوب وديار بكر، وإنما تحولت كل المدن الرئيسية التركية هدفًا سهلاً لأي طرف لديه تصفية حسابات معها، ولم تأت عملية اغتيال السفير الروسي على يد شرطي تركي إلا تعبيرًا واضحًا على هشاشة واختراق المؤسسات الامنية التركية.


تلك الميوعة الامنية التي تسود في تركيا سواء لظروف موضوعية تفوق قدرتها او لظروف ذاتية وجد نفسه جهاز الامن محتارًا أين هي أولوياته الأمنية في ساحة سياحية مفتوحة نوافذها لكل أنواع العملات العالمية، ورائحة الذهب تنسي أي نظام سياسي تاجر كيف يغلق دكاكينه ليلاً من هجمة اللصوص على ممتلكاته.
من تلك الثغرة الرخوة والهدف السهل تسلل الإرهابي برشاشه دون تعب إلى داخل الملهى وبدأ يطلق في كل الاتجاهات على جماعات كانت ترقص وتحتفل بتوديع رأس السنة، وهي ليست معنية لا بسياسات النظام التركي ولا بالخلافات الروسية التركية ولا تعرف ماذا يحيك الساسة تلك الليلة للعام الجديد من تحضيرات في العاصمة استانة بين الترويكا الإيرانية التركية والروسية،

 

هؤلاء من انتزعت روحهم رصاصات الجنون والكراهية كانوا يحملون في دخيلتهم الفرح والامل، ولم يكن بعلمهم قط ان تلك الرقصة ستكون الرقصة الاخيرة ما قبل الموت، فقد ارتدى شيطان داعش كفنه الاسود ليشطب من دفتره رقمًا بشريًا على أجندته، ولعلّ من ينتظرون الموت من السياح هنا وهناك باتوا في حالة فوبيا مرعبة، فما عاد معروفا لنا اين ومتى وكيف سيرتطم جسمنا بالارض، ممزقًا ومضرّجًا بالدماء في موتة كريهة رخيصة غادرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها