النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

هدنة لمزيد من تكسير العظام

رابط مختصر
العدد 10140 الخميس 12 يناير 2017 الموافق 14 ربيع الآخر 1438

مرَّت الذكرى التاسعة والثلاثون لزيارة الرئيس الراحل «أنور السادات» للقدس المحتلة، دون أن يتذكرها أحد، ربما لأن أنباء الصراع العربي الإسرائيلي قد اختفت في دوامة العواصف الترابية التي حملها الربيع العربي إلى أجواء الأمة منذ ست سنوات، فلم يعد أحد يهتم بما يجري على صعيده، ولم يعد أحد يتذكر - أو يذكر الآخرين - بشعار «تحرير فلسطين هو قضية العرب المركزية»، إذ أجبرت هذه العواصف كل قطر من أقطار العرب على الاهتمام بقضيته المركزية الخاصة، بعد أن أشعلت نيران الحروب الأهلية بين أبناء بعضها، وشغل الآخرون بمحاولة إطفاء شرارتها حتى لا تنتقل إليها فتحرق الحرث والنسل.. وخفتت أصوات المتفائلين الذين بشروا بأن ثورات الربيع العربي سوف تحقق حلم الوحدة العربية الشاملة، وتحرر فلسطين من البحر إلى النهر، لترتفع أصواتهم بالدعاء إلى الله، بألا تمتد نكبة فلسطين لتشمل الأمة كلها من المحيط إلى الخليج.


وسط الأهوال التي تعيش فيها الأمة العربية، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم وهم يتابعون أنباء الإعداد للمؤتمر السابع لحركة فتح، خشية أن يسفر عن مزيد من التصدع في بنيان هذه الحركة التي يعود إليها الفضل في إحياء الكيان الفلسطيني، وفي تحويل المسألة الفلسطينية من مسألة لاجئين - كما كان الحال بعد هزيمة 1948 و1956 - إلى قضية تحرر وطني، وفي حين ذهب البعض إلى أن الخلافات داخل حركة فتح، هى خلافات تنظيمية تتعلق بالصراع حول المراكز القيادية فيها، وأن تفاقم هذه الخلافات قد يؤدى إلى تصدع الحركة، رأى آخرون من داخل الحركة ومن خارجها، أن أساس ما تواجهه القضية الفلسطينية الآن هو اتفاقيات أوسلو التي أسفرت عن تبادل الاعتراف بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا تتجاوز صلاحياتها صلاحية المجالس المحلية، دون أن يؤدى ذلك عمليا إلى إنهاء الاحتلال، أو إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 4 يونيو 1967، بل قاد إلى مفاوضات استمرت ما يقرب من ربع القرن، دون أن تسفر عن أى مكسب، وهو ما يفرض على الفلسطينيين أن يسحبوا توقيعهم على هذه الاتفاقيات، ويعلنوا عدم التزامهم بها، وأن يعودوا إلى المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي حتى تتحرر فلسطين من البحر إلى النهر.


وكان المنطق الذي استند إليه الرئيس السادات، في القيام بمبادرة السلام مع إسرائيل، يستند إلى أن طريق المقاومة المسلحة أصبح مسدودًا، لأن الدول العظمى قد توافقت على ضمان أمن إسرائيل، وفضلاً عن أن العرب لا يملكون القوة العسكرية التي تمكنهم من محاربة الدول العظمى، فهم عاجزون عن صياغة استراتيجية لتحرير فلسطين، أو الاتفاق على الخطوط العامة لحل مرحلي.. وبالتالي فلا جدوى من الاعتماد على المجتمع الدولي، ولا مفر أمام العرب من الاعتراف بالأمر الواقع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرض العربية المحتلة، خاصة أن إسرائيل بدأت تتوسع في إقامة المستوطنات عليها، على نحو قد يؤدى إلى ضم ما تبقى من فلسطين إليها، بل ضم أجزاء من أراضى الدول العربية التي احتلتها في عدوان 1967.


ولم يكن المنطق الذي استند إليه «ياسر عرفات» في توقيع اتفاقيات أوسلو، - بعد خمسة عشر عامًا - بعيدًا عن منطق السادات.. بعد أن وجد أن موقفه قد أصبح أكثر سوءا من الموقف الذي كان قائمًا حين قام الرئيس المصري بمبادرته، فقد انهار الاتحاد السوفييتي الذي كان يعتمد على دعمه الجزئي في إطار لعبة الأمم، وانتهى رهان منظمة التحرير على مغامرة صدام حسين بغزو الكويت، بفقدانها دعم الأول الذي هزم في الحرب، وحوصر داخل حدوده، وخسارتها تعاطف دول الخليج التي كانت تدعم المنظمة بسخاء بقوة قبل أن تقف في صف الغزو العراقي، وأدرك «عرفات» أن شعار فلسطين قضية العرب المركزية، سلب الشعب الفلسطيني حقه في التصرف في قضيته طبقا لمصالحه، وأن الأنظمة العربية تستغل هذا الشعار لتحقيق مصالحها مع القوى العظمى - خاصة بعد أن تحول النظام الدولي إلى نظام أحادى القطبية - أو تستخدمه لتصفية الصراعات فيما بينها، فقرر أن يكرر ما فعله السادات وتفاوض مع إسرائيل سرا، دون علم أحد من العرب الذين فوجئوا جميعا بالإعلان عن توقيع اتفاقيات أوسلو.


وصدم ما فعله «ياسر عرفات» الجميع، ووصف الشاعر الفلسطيني «محمود درويش» اتفاقيات أوسلو بأنها مجرد هدنة من تكسير العظام، ومع أن هذه الهدنة قد قادت بعد عشر سنوات - وفي قمة الملوك والرؤساء العرب التي عقدت في بيروت عام 2002 - إلى اتفاق الدول العربية جميعا على مبادرة السلام العربية، التي نصت على مبادلة الأرض العربية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، مقابل الاعتراف والسلام العربي الشامل مع إسرائيل.. إلا أن تكسير عظام الفلسطينيين لم يتوقف قبلها أو بعدها، والسلام لم يتحقق وتحرير فلسطين لم يحدث، بل كان الذي حدث هو انقسام السلطة الوطنية الفلسطينية إلى دولتين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة إمارة غزة الإسلامية عام 2006، لترفع شعار المقاومة لا المفاوضة، وتخوض أربع معارك مع إسرائيل شهدت مزيدا من تكسير عظام الفلسطينيين، وتدمير بيوتهم دون أن تحقق أى هدف، أو تسفر عن أى نتيجة، إلا عن مبادرة حركة حماس باستعدادها لعقد هدنة مع الكيان الصهيوني تستمر ثلاثين عامًا، يظل خلالها الوضع قائمًا على ما هو عليه، إلى أن يفتح الله على المسلمين ويقيموا دولة الخلافة، إذ هى وحدها القادرة على تحرر فلسطين!


ولا أحد يعرف حتى الآن، هل ينتهي مؤتمر فتح السابع، الذي اختارت الحركة أن ينعقد يوم الثلاثاء 29 نوفمبر - في ذكرى استقبال العام السبعين لصدور قرار تقسيم فلسطين عام 1947 - بإعلان انسحاب السلطة الوطنية الفلسطينية من اتفاقيات أوسلو، أم يكتفي بالتلويح بذلك.. وهل يؤدى هذا الانسحاب - لو حدث - إلى مقاومة حقيقية للاحتلال، أم إلى مجرد هدنة مدتها ثلاثون عامًا على الأقل إلى أن يفتح الله على مسلمي العالم جميعًا، بالتوحد لإقامة دولة الخلافة الإسلامية، التي لن تتوحد فلسطين المحتلة، ولن تتحرر من الاحتلال الصهيوني إلا بعد إقامتها، لتتحول بذلك إلى هدنة تتيح لإسرائيل مزيدًا من تكسير العظام؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها