النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

حصان طروادة الأصولي...

إشكالية الاستمرار في طرح الأسئلة المزيفة!

رابط مختصر
العدد 10132 الأربعاء 4 يناير 2017 الموافق 6 ربيع الآخر 1438

لامَني أحد الأصدقاء على ما أسماه (الموقف السلبي) من تيار الإسلام السياسي في مجمل المقالات التي نكتبها حول هذا الموضوع، ووصف أغلب ما يكتب في هذا السياق بأنه (ظلم وسوء فهم وتشويه متعمد)! وما كان لهذا اللوم ليستفزني او حتى ليثير اهتمامي - انطلاقًا من قناعتي أن مهمة الكاتب الرئيسية البحث عن الحقائق - ولكن وضع المواقف والتحليلات السياسية والفكرية في سياق أخلاقي هو ما يزعج بالفعل، فبدلاً من الرد على الرأي بالرأي وعلى الفكرة بالفكرة وعلى التحليل بالتحليل، يفضل البعض إطلاق الأحكام والاتهامات الجاهزة جزافًا، ومن منطلقات عاطفية وأخلاقية.


ولأنني لم أتعود على تبرير ما أكتب، لأنه مجرد رأي اجتهادي، فإنني أوضحت للصديق أنني قد كتبت ما كتب حول الإسلام السياسي وأصحابه وهم في أوج قوتهم وصولتهم، عندما كانوا في قمة اندفاعتهم، لأن ما كان يهمني هو الفكرة والموقف وفعلهما في الواقع، ولكني في ذات الوقت لم أكن معنيًا بتبرير الهجمة التي تعرضوا لها، بل كان الهدف دومًا هو محاولة فهم الظاهرة في إطارها السياسي، وفي سياقها التاريخي والاجتماعي، بمحاولة البحث في أسبابها ونتائجها ومختلف أشكالها في الواقع العياني. وقد اعتبرت في بعض ما كتبت أن الدولة العربية هي أول من يتحمل مسؤولية ظهور واستشراء الظاهرة الأصولية، بمختلف تجلياتها السياسية والاجتماعية والإعلامية، فالسياسات الخاطئة هي التي كانت إحدى أهم أسباب تنامي هذه الظاهرة، ومازلت أعتقد ان تناميها هي إحدى النتائج المرة لخيارات عربية غير موفقة على كافة الأصعدة، لأنها تركت الباب مفتوحًا أمام ظهور التشنج والتطرف، وحتى العنف الأسود، إضافة الى دور العامل الخارجي الذي ما فتئ يتآمر على الوطن العربي، وعلى الدولة العربية كيانًا ووجودًا باعتبارها المتبقي الوحيد للحفاظ على بنية المجتمع وتماسكه. 


إن الأصولية ظاهرة مركبة ومعقدة، خاصة في ارتباطها بالإسلام السياسي الراهن، بشعارها الرئيسي: (الإسلام هو الحل) قد حاولت أن توهم الناس عبر ثقافة مسطحة بأنه بالإمكان القفز على الواقع وتجاوز حقائق ميكانزيمات اشتغال التاريخ، بالدعوة الى الإجابة عن أسئلة الحاضر وإلحاحاته وإكراهاته من خلال أجوبة مستجلبة من الماضي، فهشمت بذلك السياقات التاريخية، وخلطت الأوراق، وزيفت الوعي. 
هذه الأصولية السياسية لم تنشأ بوصفها ظاهرة دينية إسلامية اكتسبت دلالاتها من نموها الذاتي الطبيعي، وإنما كانت نتيجة من نتائج الإخفاق العربي وفشل المشاريع العربية بمخلف أشكالها، ولذلك فهي تحمل مشروعًا سياسيًا جديدًا لاستعادة الخلافة بالدعوة والقوة والجهاد في الداخل والخارج، من دون اعتراف بالحدود والكيانات القائمة، فبروزها وتناميها جاء بالتالي نتيجة مباشرة لهزيمة 1967م، ونشوء العولمة ونتائجها على المجتمعات العربية. فالإخفاق النهضوي العربي وتفكك المشاريع، أوجد حالة جديدة من الفراغ التاريخي، والتي حاولت ملأه، ولهذا لا يمكن النظر الى الأصولية إلا بوصفها مشروع أزمة، غير معني بالنمو والتنمية والتنوير، وإنما باستنهاض الهمم الروحية والسياسية كمشروع نكوص عن ثوابت الحاضر والبحث عن استعادة الماضي بصورة إرادية.

وبالرغم من أن هذا المشروع يمتلك شرعيته النصية بوصفه يستند الى النص المقدس وإلى البنية الإسلامية، فإنه يبقى عمليًا كمشروع أزمة أحاطت بالمجتمع كله، وبالتالي لم يأتِ لتنمية ما أخفق الآخرون فيه وإنما كرد فعلٍ على الوضع القائم وعلى الإنهاك الخارجي وعلى الضعف وعلى التهميش والإخفاق، فالأوضاع العامة أنتجت احتمالات وجود هذه الأصولية ووسعت لها وربما وفرت التربة الصالحة لنموها، بل قد يكون في بعض الأحيان قد تم استثمارها وتوظيفها. والدليل على ذلك وعندما أخذت تتكشف خطورة أنه هذه الظاهرة وتشكلها في الواقع وامتلاكها لبعض مظاهر القوة المخيفة في التنظيم وفي تجنيد الشباب، أصبح النظام السياسي الثقافي العربي يستنكرها – مع أنها نتاج لهذا الواقع ونتاج لسياسات غير صائبة – ولكنه في ذات الوقت أصبح يستثمرها بأن يجعل منها فزاعة في وجه التحديات والاستحقاقات المطلوبة، في مجالات الديمقراطية والعدالة والتنمية: فإما هذه الأصولية التي تريد أن تبتلع الجميع، وإما الإبقاء على الوضع القائم في النظام العربي السياسي الثقافي الحالي بكل حسناته وسيئاته. بل إن الأمر قد تجاوز الحالة العربية الى الغرب الذي أسهم وشارك في ظهور وتطور الأصولية خلال مرحلة الحرب الباردة، فإنه اليوم وبقدر ما يستنكرها ويندد بها، يقوم باستثمارها لصالحه، بما يجعلها حصان طروادة داخل البنية العربية الإسلامية.


كما لا يجب أن تغفل أن هذه الظاهرة قد نشأت في الداخل تحت ضغط تفكك البنية الداخلية والإخفاق العربي وتآكل الطبقة الوسطى وتراجع التنوير وضعف التعليم وتهميش الثقافة والمثقفين، والارتعاب من نتائج الحداثة، إضافة الى بروز فئات كبرى من المهمشين اليائسين من الفقراء والمعطلين الذين لم يعد لهم خلاص سوى فيما بعد الحياة، وبالتالي يأتي المشروع الأصولي ليقدم لهم نفسه على أنه بديل البدائل والمخلص، بالتركيز على ما بعد الدنيا. ويصبح الماضي أمامنا لأننا نمشي القهقرى، وكأننا مدعوون الآن إلى أن نستنبط أسئلتنا وأجوبتها من الماضي. وهنا ترتكب الأصولية وهمًا قاتلاً دون أن تدركه وهو اعتقادها أنها تعود الى الماضي، وتأخذ منه كل شيء لأنها تعيش خارج التاريخ، لأنها لا تدرك أن العودة إلى الماضي مستحيلة بالمعيار التاريخي وبالمعيار الواقعي، فالماضي الذي يستحق أن يبقى يستمر هو ذلك الذي ما يزال موجودًا فينا، نحمله في العقول والقلوب والذاكرة الجماعية.


من هنا قلت للصديق المنتقد بسبب نقد الظاهرة الأصولية التي وسمت الإسلام السياسي: هذا الواقع المركب والمرتكب هو الذي يحملنا على أن نتخذ موقفًا نقديًا في مواجهة هذه الظاهرة كما الظواهر الأخرى. فهذا الإشكال الذي تجسده الأصولية بحضورها الفاقع، يلخص مجمل العلاقة المعقدة بين المشروع النهضوي العربي المأمول والظاهرة الأصولية، بما يستدعي جهدًا معرفيًا وفكريًا وسياسيًا ونقديًا متواصلاً للخروج من حالة الوهم الذي تغرقنا فيه الأصولية، والتوقف عن طرح الأسئلة المزيفة وتقديم الإجوبة المزيفة للأجيال الجديدة.

همس

تنقسم الذاكرة عندما يكمل التاريخ كذبته الأخيرة. 
متواعدان بين دوائر الحصارات. 
توجعنا المسافات.
جالسان وفي قلبينا وجع الرحيل. 
في احتضان أصابعنا ترتعش اللحظة. 
عائدان من الربيع المهمل في الشوارع.
تتبعثر على رصيف موعدنا القادم 
أحلام الغيمة الأخيرة في وجه المدينة. 
تمسح عن الوجه غبار الشتاء الهارب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها