النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

أيها الحب.. مساء القرنفل

رابط مختصر
العدد 10130 الإثنين 2 يناير 2017 الموافق 4 ربيع الآخر 1438

وددت أن أختار بطاقة تهنئة رأس السنة مختلفة عن المعتاد نصًا وتشكيلاً، فما عدت مقتنعًا أن الأحلام تقف عند عتبة باب كل واحد منا ولا تلك الأمنيات باتت حديقة البيت الخلفية في شرفة بيت حلبي، ومع كل قصص الأسى والحزن علينا التشبث بالأمل البعيد، ولكل واحد في هذا الكون حق في أن يكون سعيدًا بلا قنابل تهد سقف بيته او يجترفه النهر الغاضب في مواسم بدت هادئة، غير أنها في لحظة مزاج تقلب الطبيعة السخي سيجد المرء نفسه يعوم بلا جدران وعلى كتفه قفص الببغاء التي كانت تؤنسه في وحدته بعد رحيل الزوجة والأبناء، هكذا تدور ساعات الكون من حيث لا ندري وهي تنسف أجندتنا التي وددنا إنجازها في العام الشؤم.

 

كنت مترددًا بين كتابة سياسية وموضوع رومانسي عاطفي أقرب لشغاف القلب الآدمي، ولكنني بين الخيارين قررت أن أهدم ذلك السور المصطنع بين زمن الحب وزمن السياسة فهما في الحقيقة تحولا قدرين لعينين في حياتنا المضطربة، نحب فنفشل ونصاب بالاكتئاب نناضل وننهزم في معاركنا فندخل في موجة الإحباط، كلاهما يحملان وجهين لحياة واحدة، لهذا سأزاوج بين قضيتين بدتا كأنهما نقيضين ولكنها في حياة مقاتل بين أزقة الحي المحاصر لا يرى أن هناك فارقًا بينهما فهو في كل مساء يعرج برشاشه تحت شرفتها ليقذف لها بقرنفلة لا زالت حديقة بيتهم المهدم تجود بعطايا تلك الألوان المزدانة بالورود مع زجاج معشق أموي، كان يقاتل بقلبه ويعيش أمل النهاية المنتصرة ليرجع لحديقته وتلك الشرفة والأمسيات الملونة بالكلمات ونبضات قلب صبية تعيش الانتظار الموجع، بنيلوبا حلبية أمضت جحيم الأيام تنتظر لعل فارسها لا يغيب طويلاً، فقد اختفت القرنفلة المسائية فجأة، فهل بإمكاننا تخيل حجم وشكل القلق العميق المؤلم للغياب؟ تذكرت مناخات القصف العربي وجحافل المشردين حكايات من زمننا نحن في الستينات وبداية السبعينات، كان العالم يهتف ضد الحرب في فيتنام والهند الصينية ويستعجل برحيل الدكتاتوريات ببزاتها العسكرية. 


كان فنانو تلك المرحلة مولعين برسم حمامة بيكاسو البيضاء ومدافع وفوهات بنادق تنبت على ضفافها قرنفلة حمراء، كان الحب والورد والسلام والحمامات البيضاء حلم البشرية يومذاك، وكانت الأغنيات تغسل الشوارع في صباحات أثينا المبكرة وسانتياغو دي تشيلي، التي تواصل البكاء على صوت شاعرها العجوز وقيثارة مغنيها الشاب، لم تعد «اماندا» في نافذتها وهي تراقب المطر تنتظر حبيبها، حيث في البعيد كانوا عمال مناجم تشيلي دماء للساحات المفتوحة تذكرهم بكذب العالم الديمقراطي! لا زلت أحمل في داخلي ساعات ديسمبر من عام 73 في شتاء روسي بلغ 25 درجة تحت الصفر، كانوا المجموعة الشبابية التشيلية يغنون ويبكون ويتعانقون طوال الوقت في ديسمبر ورأس سنة ليست اعتيادية، عندها اكتشفت معنى ان تهيم حبًا وعشقًا في وطن مذبوح، أن لا تستطيع الدخول من بوابة المطار،

 

ففي الأقبية كانت تنتظرك الرصاصات الغادرة، لم أكن أفهم ما الذي يجعل الإنسان يغني وهو حزين؟ يرقص التانغو وهو يتألم ويتأوه كالذبيحة؟ للثقافة اللاتينية فلسفتها العميقة في المزاوجة بين الحب والسياسة والحياة والموت والمرأة والجنون، يومها تعلمت درسًا كبيرًا في الحياة وبأن دم القشتالي والعربي والهندي أنتج تلك الخلاسية التي أبهرتني بسحرها تلك الليلة، وكانت أغنية ماريا ترافقني أينما أذهب حينما يرن في أذني صداها، ليلتها كانت عقارب العام القديم تحتضر وأنا متبلد بحس الوراء البعيد أشاهد الأضواء والراقصين الذين خرجوا من فوهة الأرض الإسمنتية والأنوار المتراقصة، كان الجميع لحظتها ترك الحزن خلفه إلا أنا المنحوس في داخلي، لم أشعر بنفسي إلا وقد سحبتني باربارا الكندية: «تعال وارقص» فرددت لا أعرف كيف أرقص! فقالت لا أحد سوف يسألك الآن كيف ترقص؟ شعرت بأن مسافة الحضارة تلك الليلة بين أزقة الحورة وشتاء موسكو عالم فسيح لم أنجح في قهره وكسر خجله القاتل. 


لم أعرف سنة جميلة في حياتي كتلك السنة التي كانت في قاموسنا نحن أبناء الحورة هي بيوت الانجليز المجاورة لنا في القضيبية، لم نكن نفقه من هو ذلك المسيح المصلوب والمولود في بيت لحم، والذي يحتفل العالم بذكراه ولعل بعد الصلب يأتي عالم خالٍ من الآلام، لحظتها تناسل العالم يردد عبارة المحبة والتسامح والسلام، والذي ما زلنا نركض ونلهث من أجله، والصليبيون الجدد انسلوا لنا دواعش يغتصبون نساء ايزيديات ويا للمفارقة، ورجل جنتلمان من البيت الأبيض والكرملين يتقاسمان طاسة الدم بدلاً من نبيذ المسيح المطهر إلا من ساعاته الأخيرة من الخديعة. ظلت ذاكرة بكاء ماريا والقارة كلها أمامي في شتاء موسكو، وأمسية حب لم أعشها مرة أخرى ولكنها ترافقني مع ظلال الساعات الأخيرة من كل رأس سنة، ففي تلك الليلة تحضن العالم بالأمنيات وتغني من أجل عالم أفضل. 
وحدي من ظل يحتفظ على وجنتيه حبًّا صامتًا لقبلات ماريا البوليفية البريئة في ليلة شتائية بنبيذ أحمر بلا قرنفلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها