النسخة الورقية
العدد 10997 الأحد 19 مايو 2019 الموافق 14 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

مئة يوم من الجحيم

رابط مختصر
العدد 10126 الخميس 29 ديسمبر 2016 الموافق 30ربيع الأول 1438

كنت اقلب رأسي طوال هذا الوقت ما الذي ينبغي كتابته ونحن نودع عام 2016 ونستقبل عامًا لا نعرف ما يخفيه لنا، ذلك العام المجهول الغامض، ربما المنجمون ومحبو قراءة الطالع قادرون على الكذب والدجل السياسي كما سيفعل الساسة حينما تتطلب منهم حرفة الكذب ان يواصلوا لعبتهم في تضليل العالم، وحينما أتكلم عن الساسة فاعني الكبار منهم أما هؤلاء الصغار فهم ليسوا بأكثر من بيادق في لعبة الشطرنج المعقدة. 


كان عقلي وروحي وضميري مزدحمين بشتى الموضوعات وأيهما اختار لأبارك العالم من جهة وأنعيه بمرثية أخرى، بغياب شخصيات عظمى كفيديل كاسترووقد رحل من عالمنا وهو مسكون بالحزن للوضع الانساني العالمي، حيث الفقر والبؤس والبطالة والحروب الاهلية والاثنية تمزق خارطة العالم أمامه. 
كنت مسكونًا بحزن شخصي وسياسي وانساني لمشاهد الدماء والقتل والتشريد، ففي الوقت الذي كانت كولومبيا تطوي صفحة اخيرة مؤلمة من حرب أهلية طويلة دامت اكثر من نصف قرن، وهي أطول حرب أهلية في التاريخ المعاصر، نرى أمامنا طاحونة الموت وجحيمه وكوابيسه تطوف برؤسنا كل يوم في العراق وليبيا وسوريا واليمن، حيث تلهو ميليشيات الشياطين من طهران حتى بغداد عبورًا بلبنان ودمشق، وتحلم تلك الشياطين ان ترقص على جثث المنامة بعد ان رقصت فرحًا على تدمير حلب وأشلاء الأطفال والضحايا المدنيين في الشوارع وركام الابنية المهدمة. 


وأنا أشاهد مثل ملايين البشر كل يوم القتال الدائر في حلب بين قوى غير متكافئة، كنت أسأل نفسي عندما دخل الروس على «الخط» هل بإمكان المقاومة الشعبية والجيش الحر وكل عناصر الثورة المشتتة قادرة على إيقاف جحيم قادم من السماء؟ ما الذي تستطيع فعله تلك «الثورة بإمكانياتها المتواضعة» أن تفعله في تجنب الحمم القادمة من السماء الرمادية والسوداء؟ كنت انتظر المعجزة الغائبة، ولكن دخول قوة عظمى في الميدان طرفًا قلب كل موازين القوى، فسهلت الضربات الروسية على الأرض شجاعة المليشيات المتنوعة التي قاتلت الى جانب النظام. 


لم يعد بإمكان قوى الثورة إلا الدفاع المستميت عن مواقع تنهار يومًا بعد آخر، فكانت مائة يوم تاريخية لبطولة وملحمة انسانية كبيرة اجترحها الشعب السوري أولاً وسكان حلب ثانيًا وتحديدًا اهل البلدة القديمة من حلب التاريخية، فالمنطقة الحديثة من حلب لم يصبها سوء يذكر، وعبر تلك المشاهد واللقطات والنهاية الحزينة من الانكسار والبكاء كان الحس الانساني هو ما لفت انتباهي كباحث كنت مهتمًا بموضوع الكرافتي (الكتابة على الجدران) وهو فصل كامل في كتابنا «الانسان والجدار» وما زلت دومًا اقرأ ما يكتب على الجدران من يوميات في ظروف السلم والحرب فهي ترجمة عن الدواخل الانسانية المكبوتة والمعبرة، فهناك علاقة بين خطاب الانسان ورسائله للاخر من خلال كل الوسائل المتاحة، كانت جدران حلب المهدمة تبعث بآخر لحظات الوداع المفجع، ولكنها كتبت جلها بروح الامل والتفاؤل العظيم في داخل الانسان، ولن يعرفه إلا من عايشه وتحسسه ميدانيًا.


انتقيت بعض من تلك النصوص الجدارية التي حرصت على تدوين تاريخ الكتابة: «ابنيتنا المدمرة شاهدة على صمودنا وعلى إجرامكم» 16/‏12/‏2016، نص رومانسي أجمل: «الى من شاركتني الحصار.. بحبك» 15/‏12/‏2016 تحت كل بناء مدمر عائلات دفنت مع أحلامها دفنها بشار وأعوانه محاذيًا له راجعين يا حلب «راجعين ياهوا» 15/‏12/‏2016 «مع السلامة يا يوم مع اشارة قلب ويوم هنا باللهجة السورية تعني امي. ونص شعري معبرعن تلك الرومانسية الثورية» احبيني بعيدًا عن بلاد القهر والكبت..

بعيدًا عن مدينتنا التي شبعت من الموت «حلب المحاصرة«آخر يوم 15/‏12/‏2016، لسنا عبيد» ثوار حلب 15/‏12/‏2016، «لا أحد يستطيع تقرير مصير الثورة سوى الثوار أنفسهم.. أينما كنت قاوم» حلب 16/‏12/‏2016، بل وحتى وهم يغادرون بالباصات كتبوا على جدار زجاجها الضبابي عبارة «سنرجع يومًا» ونصوص كثيرة خطت على الأوراق الصغيرة في لحظة وداع وانسحاب من مدينة مدمرة «الثورة مستمرة ما دامت قلوب الثوار حيّة». 


تلك المفردات الحية كانت تعبيرًا حيًا للثواني المعدودة الأخيرة من مئة يوم من الجحيم. إن تأمل النصوص بعناية يجد انها تترجم الإرادة الحية لناسها، حيث صور الاطفال في الباصات وهم يرفعون أصابع إشارة النصر يؤكدون ان حلم الثورة والحرية سترافقهم أينما يذهبون فذاكرة الأطفال المتألمة اليوم هي ذاكرة الغد المتمردة الحاقدة على من اغتصب منهم حلم الحياة والسعادة، وصغار كانوا يلعبون معهم في تلك الازقة. ليست هزيمة حلب ولا الثورة في سوريا نموذج أخير من التاريخ، فكل الشعوب والثورات ذاقت مرارة الهزيمة لكنها لم تتوقف عن حلم الحرية وأطفال حلب اليوم هم من سيحملون شعلتها غدًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها