النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

استخلاص درس الاحتراب الطائفي

رابط مختصر
العدد 10125 الأربعاء 28 ديسمبر 2016 الموافق 29 ربيع الأول 1438

عندما أتابع بعض النقاشات المنشورة على الملأ والتي يخوضها مثقفون وسياسيون في الفضاء المدني، حيث يجري الحديث عن المصالحة والديمقراطية والتنمية والحوار والتوافق، استشعر ان البعض على الأقل قد بدأ يدرك - ولو ضمنيًا - انه كان على خطأ أيام الاحداث التي شهدتها البحرين في 2011م وما تلاها، وأن وقتًا ثمينًا قد أهدر وأن فرصًا كبيرة قد تم تفويتها للوصول الى توافق سياسي، كان من الممكن ان يطوي صفحة الاحداث المؤلمة بأقل الأثمان وفي أقصر وقت ممكن. فعندما كانت الموجهة عالية، والتأثيرات الخارجية ضاغطة، والوعود بالنصر القريب مرتفعة، كانت عبارات مثل (التوافق الوطني) و(الحوار) والديمقراطية التوافقية (تثير الحنق عند أغلبهم)، كما كان الحديث عن الشراكة الوطنية على الصعيد السياسي مجرد شقشقة لفظية تناقضها الممارسات والشعارات، إذا كان كل ما نسمعه آنذاك ان «وقت التوافق الوطني قد انتهى»، وان المطلوب هو مجرد (تفاوض مع السلطة لوحدها)، وانه لا وجود إلا لطرفين في الساحة هما (السلطة والمعارضة فقط)....


واليوم من المهم أن يعلن البعض - بالرغم من صيغة التعميم على الوطن العربي - إننا «بحاجة الى ديمقراطية توافقية، لأنه ديمقراطية الأغلبية قد تضطهد الأقليات الأخرى»، وان يضيف البعض الآخر - وبنفس الصيغة التعميمية - أنه «من المهم البدء بعملية المصالحة في المجتمعات العربية، حتى لو لم يتم القضاء على المشكلة الطائفية فيها بشكل كامل، فلابد أن يحدث اندماج مجتمعي، ويكون الكل له دور في بناء الدولة».

 

فأمر جديد ومهم في سيرورة التوصيف والتشخيص والاستشراف، وتقدم لا نملك إلا أن نعتبره محمودًا في إطار الواقعية السياسية، والتواضع السياسي الناجم عن الإدراك المتزايد للمخاطر من الاحتراب الطائفي، وتأثير المدمر على الدولة الوطنية التي ما تزال في أغلب الدول العربية صمام الأمان الأساسي لوحدة المجتمع وسلمه الأهلي. حيث رأينا بوضوح كامل كيف أدى اسقاط الدولة وإضعاف مؤسساتها - بالرغم من كل النقائص والعيوب التي قد تعتريها - الى انهيارات دراماتيكية في البنى الاجتماعية الهشة أصلاً، وكيف أفضى ذلك الى تناحر مدمر، فتك بما بقي من هذا النسيج الاجتماعي، من خلال تغذية النعرات الكامنة والتي تم استحضارها على نحو غير مسبوق، مما فتح الباب أمام التدخلات الأجنبية، وفتح شهية الاستعمار الجديد، مهما اختلف شعاراته وأهدافه.


من هذا المنطلق يفترض (أن يكون الحوار السياسي الدائم أداة أساسية للتفاهم داخل المجتمع، وكل حوار في العمل السياسي العقلاني يفضي بالضرورة إلى تسوية سياسية متوازنة وتوافقية، والتسوية تكون في شكل حلول وسطى ينسجها العقلاء بالضرورة، ونستبعد من هذه المعادلة قوى التطرف والإرهاب والإقصائيين والتكفيريين من جميع الأطراف ونوازع الطيش العرضية والمغامراتية السياسية مدفوعة الأجر.
الحوار إذن يظل هو الحل لمعالجة الأزمة المتراكمة فلا العنف يحل المشكلة ولا المعالجة الأمنية لوحدها يمكن أن تحل المشكل، بل الحل الجذري والدائم الذي يحفظ السلم الأهلي يجب أن يكون سياسيًا؛ لأن الأزمة - مهما اختلفنا في توصيفها وفي أسبابها القريبة والبعيدة الحقيقية منها والمفتعلة - هي أزمة سياسية بالأساس. إذ هنالك اختلاف في الرؤى وفي المنظور المطروح للحل السياسي، والاختلاف لا يشمل العلاقة بين السلطة والمعارضة فقط، بل بين المعارضة ومختلف المكونات السياسية الأخرى (ولا نتحدث هنا عن طوائف وإنما عن جمعيات لها عمق اجتماعي مهم)، وهذا الاختلاف لا يمكن تجاوزه إلا بالجلوس إلى طاولة الحوار الوطني الشامل المحكوم بتوافقات الضرورة.

 


المشكلة أن بعض تلك الدعوات اقصائية تضع شروطًا مسبقة تصادر ما يمكن أو يجب ان يتوصل إليه هذا الحوار، هذه الدعوات تعاني من ضيق في الأفق، ففي الوقت الذي تدعو إليه، لا يبدو الحوار بمعناه الفكري والسياسي والإنساني المفتوح يخطر ببالها، فهو عندها مجرد صيغة مغلفة تصر على ثنائية السلطة - المعارضة فقط، مع الاستمرار في ممارسة أفعال تتم خارج (الإيقاع) الوطني، بمعنى التئام الكلمة على حفظ السلم وتحقيق العدل والأمن للبلاد، غير عابئة بما تحقق من إنجازات ومكاسب سياسية واقتصادية وتشريعية، ضمن أفق التجربة الديمقراطية الوليدة..


السلطة من جانبها تجد صعوبة في إعادة بناء جسور الثقة مع بعض المعارضة بعد الأحداث المؤسفة، وبعد تردد المعارضة أمام فرص الحوار التي أتيحت في أكثر من مناسبة، واستمرار ترددها أمام فرصة للجلوس مع المكونات السياسية الأخرى دون شروط مسبقة، إلا المبادئ والثوابت الأساسية التي اقرها الشعب في ميثاق العمل الوطني.
إن الحوار السياسي الجاد يقتضي بالضرورة وجود سياسيين حقيقين يمتلكون الخبرة والرؤية والفكر ويتمتعون بالعقلانية والاعتدال، وعلى استعداد للوصول الى حلول واقعية بعيدًا عن منطق الاقصاء والتسقيط. فالسياسي المحترف يمتلك بالضرورة من الوعي السياسي والقانوني، ما يجعله مدركا للعواقب ولشروط العمل السياسي وحدوده، ومؤمنًا بسياسة المراحل، لا بالأخذ فقط بالوزن العددي للمجموعات السياسية،

 

وانما بالحفاظ على استقرار وأمن المجتمع، والإقرار بحقوق القوى الوطنية الشريكة له في المجتمع، بمن في ذلك الأقليات، السياسي المحترف يكون مستعدا للتراجع عن المواقف الخاطئة عندما يتبين خطؤها، أو عندما يتبين أن المصلحة الوطنية تقتضي التنازل أو التراجع من اجل هدف اسمي وهو استعادة الأمن والاستقرار والأمان واستعادة الناس لحياتهم الطبيعة والاطمئنان على مستقبلهم، ومستقبل أولادهم في ظل دولة مدنية عصرية لا يسيطر عليها رجال الدين، يساهم الجميع في بنائها والمحافظة عليها، مثلما جاء في ما أشرنا إليه في مقدمة المقال (اذا كانت النية صادقة)... إلا أن مثل هؤلاء السياسيين المحترفين قلة قليلة، قد لا يكون لهم التأثير اللازم لإحداث هذا الاختراق المطلوب.


ليست المشكلة إذن في الحوار نفسه حتى وإن بدا مستحيلاً في ظل غياب منطق المصلحة، لكن القضية الكبرى هي ما الذي سيسفر عنه الحوار عندما يكون (مغلقين)، وغير مستعدين للتحرك إلى المنطقة الوسطى، وعندما يقدمون أوراقهم على أنها خط نار؟
صحيح أن الحوار يظل مطلوبًا لذاته، من أجل الحفاظ على الوحدة الوطنية باعتبارها صمام الأمان الرئيسي، فكل طرف من حقه أن يضع أسئلته وتطلعاته المشروعة على الطاولة، عندما يكون المنطق الحاكم لهذا الحوار وطنيًا ومدنيًا، ويحترم الثوابت ولا يضعها محل سؤال او تشكيك. ولكن المطلوب بالضرورة أن يشارك في هذا الحوار - الذي لابد منه وإن طال السفر - فقط كل من يؤمن بالحوار وجدواه، ويؤمن بالشرعية وبالأطر القانونية وبالعمل الديمقراطي، من دون إقصاء لتعزيز الإصلاح والديمقراطية والعدالة والوحدة الوطنية.


همس
هنالك أناس يعْبِرون في حياتنا، فيتركون جراحًا عميقة في قلوبنا ونفوسنا وذاكرتنا، وما أكثرهم. وهنالك أناس يعبرون فيها فيتركون آثارًا على رمالها، سريعًا ما تذروها الرياح، وما أكثرهم. وهنالك من يمنحنا الحياة مرة واحدة، وهم قلة قليلة تقارب الواحد.
وهنالك من نظل ننتظرهم ليعْبِروا حياتنا، لمنحنا أجمل المشاعر، وما أندرهم، قد يأتون وقد لا يأتون، والمحظوظون منا من يلتقي بهم في حياته القصيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها