النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

ملتقى قلالي

رابط مختصر
العدد 10125 الأربعاء 28 ديسمبر 2016 الموافق 29 ربيع الأول 1438

 عندما أخرج من منزلي الواقع في ناحية من أنحاء منطقة قلالي، التي أضحت في حجم مدينة شأنها في ذلك شأن مختلف مناطق البحرين عامة ومناطق محافظة المحرق تحديدًا التي تشهد في عهد جلالة الملك طفرة عمرانية غير مسبوقة، قاصدًا قلالي القديمة، التي ضاقت حد الاختناق بسبب زيادة سكانها من جهة وعشوائية تخطيطها من جهة أخرى، هذا فضلاً عن تكدس الدكاكين فيها حتى كادت تفوق عدد المنازل فيها، تلزمني الطريق لبلوغ غايتي أن أعبر بقايا من مرابع الطفولة والصبا فتغمرني على الفور أدفاق من مشاعر الحنين إلى الأماكن والشخوص التي تشاركت معها في خلق معنى لهذا المكان أو ذاك في هذه المنطقة الجميلة الغارقة في هدوئها شرقي محافظة المحرق العريقة، وتسيطر علي حال من الشوق إلى الالتقاء بأحبة أمضيت معهم ردحًا كبيرًا من سني عمري لعبًا وملهاةً وتعلمًا. وقد ترك ذلك ولا شك في الذاكرة بصمات لا ولن تمحى مهما بلغ بي العمر. 


 في إطار هذا الخليط من الشعور بالحنين والاشتياق أتيح لي في الأسبوع الماضي الاستمتاع بقضاء سويعات ماتعة ورائعة وثمينة تجلت فيها الذاكرة باستدعاء تفاصيل دقيقة من تلك الفترة من العمر الصاخبة بالفرح، برائحتها، برنين مفردات كلماتها التي لم تتوقف قط عن مداعبة الأسماع ممن تبقى من جيل الآباء والأمهات أطال الله في أعمارهم جميعًا، كان ذلك عندما جسد الأعزاء أنجال جاسم الدخيل رحمه الله، وعلى رأسهم شقيقهم الأكبر الصديق العزيز عبدالله الدخيل في الواقع فكرة طال احتباسها في خاطري، دعوة كريمة إلى حضور تجمع يضم شخصيات من مواليد البدايات الباكرة في الأربعينيات والخمسنيات والستينيات من أهالي قلالي، وهو الزمن الجميل الذي أنتمي شخصيًا إلى خمسينياته ميلادًا وستينياته طفلاً ومراهقًا، وهي السنوات المتعارف على أنها من أجمل سنوات العمر.


في الحقيقة، سعدت بالدعوة وفرحت إيما فرح بموعد اللقاء، ولهذا عملت في التو والحال على تأجيل بعض من ارتباطاتي وألغيت أخرى من أجندتي الخاصة، لأنظم إلى الجمع الطيب المرتقب وأرخي للخيال العنان للغوص عميقًا في بحر الذكريات مستحضرًا مشاهد الطفولة وصور رجالات ذاك الزمن الجميل الذين ندين لهم بالعرفان على ما ورثوه لنا من عمران اجتماعي متقن البناء. اللقاء ضم لفيفًا من الأصدقاء والمعارف والأقارب من أبناء المنطقة الذين شاركتهم اللعب ونسج أحلام الطفولة وبواكير الشباب.
 عقدت العزم على أن أوثق لهذه المناسبة الجميلة، التي لمست على ألسنة الحضور، وهي تلهج بضرورة تكرارها سنويًا لتضم كل رجالات القرية بصرف النظر عن سنة الميلاد، حرصًا على تثبيت هذه السنة الحميدة. وحرصت على أن أوثقها بمقال قبل حضورها، فإذا بالعزم يتعزز بعد مغادرتها لما تركته في نفسي من طيب الأثر.

 

ما كان لافتًا في اللقاء الحميمي الجميل الذي جمعني بوجوه من أيام الطفولة أن بعض من تعز عليهم ويعزون عليك يعتقدون أنك عندما تتقطع بك السبل وتتوه في خضم الانشغالات فإنما أنت تفعل ذلك عامدًا والحقيقة أن الحياة وتلاه، وأن مشاغل العيش والأسرة والأبناء والعمل تجبرنا من حيث لا ندري على أن ننقطع ولو إلى حين عن أحبة محلهم القلب وجزء من ذاكرة جميلة لا تفتأ أن تنبعث لقادح ما أو لموعد لقاء فتنتعش الروح ويضطرم فينا شوق عجيب. إزاء هذا الاشتياق بحثت عما يمكن أن يترجمه فوجدت بيت الشعر هذا صادقا في تصويره: فصبري للقاء دبيب نمل || وشوقي كالجياد لها الفناء.


 اللقاء في ذاته كان بسيطًا وزاخرًا بالدلالات الاجتماعية العظيمة، وتخلله تكريم بعض من رجالات قلالي الذين أسهموا في بناء القرية من خلال عطاءاتهم الاجتماعية والرياضية والاقتصادية، وهو بهذا المعنى جسد وجهًا ممكنًا من وجوه روح الانتماء إلى هذه الأرض الخليفية الطيبة المعطاء التي تبني حاضرها ومستقبلها من خلال حفظ الذاكرة الجماعية وتبجيل كل من ساهم في أن نكون. لحظات من الحزن مرت على بعضنا عندما تذكر وجوها غيبها الموت قبل فترة قصيرة، وهي من الشخصيات التي كانت لها اسهاماتها في فترات معينة من حياتها.


من الأحاديث الجانبية التي جرت وكانت ثرية حقيقة، وكشفت عن سر ينبغي أن يظهر للعموم، ذاك الحديث الذي تفضل به الأستاذ أحمد بن علي المناعي، وهو من يحمل مشروعًا لتأليف كتاب يوثق تاريخ قرية قلالي، وقال بعضًا من الحقائق الغائبة عنا نحن الجيل الذي يأتي من بعد جيله مباشرة، ومن بين ما قال إن قلالي من قرى البحرين التي كانت تحلم لها ولغيرها من القرى المجاورة، ومن ذلك إن أهالي قلالي طالبوا في ما مضى ببناء مدرسة لتضم أبناء قلالي مع أبناء قريتي سماهيج والدير، فهاتان القريتان، كما قال وأؤكد على قوله، تربطهما مع أهالي قلالي علاقات ودية لمعت خيرًا وأضاءت ودًا في كل المنعطفات التاريخية. المهم أن حلمًا كهذا يؤكد إيمانًا بالمدرسة قاطرة تطوير للمجتمع وتجسيدًا حيًّا لصورة قوم يحبون لإخوانهم في الوطن ما يحبونه لأنفسهم.


 اللقاء ترك في نفسي أطيب الآثار وأعذبها وجعلني أقاسمكم ما غمرني من مشاعر الحنين والاعتزاز بالانتماء إلى بلد عظيم بأهله كبير بلحمة أبنائه وحرصهم على تعزيز الروابط بينهم بمثل هذه الفعاليات أو اللقاءات التي تعزز فرص تماسك النسيج الاجتماعي. إن الحنين إلى الماضي وإلى بناته من الرجال والنساء ينبغي أن يترجم ولاء وانتماء حقيقيا للمكان. وهذا في الحقيقة اللب الذي يمكنني استنتاجه من هذا الملتقى. وإذا كان هناك استنتاج آخر يطرحه البعض من الأهالي فإنه لن يخدم المنطقة ولا أهلها بقدر ما يؤسس للشقاق والأنانية. فلنحافظ على تراثنا القيمي المكلل بالمحبة والتواد لننقل إلى أبنائنا ما ورثه لنا آباؤنا رحمهم الله جميعًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها