النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

شرور المنافسة غير الحميدة

رابط مختصر
العدد 10123 الإثنين 26 ديسمبر 2016 الموافق 27 ربيع الأول 1438

يقول المثل الشعبي المصري «عدوك ابن كارك»، و«الكار» كلمة تركية أو فارسية تعني «المهنة»، ومن تنويعاته بالمعنى نفسه «جزار ما يحبش جزار» وهي أمثلة تضرب عادة في الإشارة إلى المنافسة بين الذين يمارسون المهنة نفسها، أو يتزاحمون على تحقيق الهدف نفسه. ومع أن الاقتصاد الرأسمالي يقوم على المنافسة، باعتبارها أساس التنمية، إلا أن فلاسفة النظرية الفردية في الاقتصاد، يفرقون عادة بين المنافسة الحميدة،

 

التي تدفع الإنسان إلى تجويد عمله وإتقانه، والمنافسة الشريرة التي تقود المنافس إلى تخريب ما يقوم به من يعتبرهم منافسيه؛ لأنه لا يملك من المواهب ما يمكنه من منافستهم أو التفوق عليهم، بينما يذهب أنصار النظرية الجماعية في الاقتصاد التي يستند إليها الاشتراكيون، إلى أن المنافسة تقود حتمًا إلى الاحتكار، فيسيطر فريق من الأشرار على السوق المحلية، ويتصارعون فيما بينهم لاقتسام الأسواق العالمية، وتتخلق من ذلك ظاهرة الإمبريالية، التي هي - كما ذهب إلى ذلك «كارل ماركس» - أعلى مراحل الرأسمالية.


ولا بد أن شرور هذه المنافسة غير الحميدة، كانت في ذهن الكاتب الكبير الراحل «أحمد بهاء الدين»، حين جمعه لقاء برئيس الوزراء ووزير الداخلية المصري في سبعينيات القرن الماضي «ممدوح سالم»، تطرق الحديث خلاله بينهما، إلى المصادر التي تستقي منها أجهزة الأمن معلوماتها عن الصحافة والصحفيين، وكان من رأي «بهاء» أن هذه الأجهزة تستمد هذه المعلومات، من صحفيين من «أنصاف الموهوبين» يقودهم الإحباط والعجز عن المنافسة والطموح الذي لا يستند إلى مواهب حقيقية،

 

إلى الدس لزملائهم الموهوبين فيزودونها بمعلومات كاذبة حول ولاء هؤلاء للنظام، بهدف إزاحتهم عن مواقعهم أو وضع العراقيل أمام صعودهم إلى المواقع التي يستحقونها بمواهبهم وجهودهم، لكي يحلوا محلهم، وهو عامل رأى «بهاء» أن من واجبه، أن يسترعي إليه انتباه وزير الداخلية ورئيس الوزراء، حتى يضعه هو ومعاونوه في اعتبارهم، عند تقييم ما يقدمه هؤلاء المحبطون من معلومات عن زملائهم، حتى لا ينتهي الأمر بتولي أنصاف الموهوبين، أو الذين لا موهبة لهم لشئون الصحافة.


وكانت دهشة «أحمد بهاء الدين» - كما يقول في مذكراته التي نشرها بعنوان «محاوراتي مع السادات» - بالغة، حين قال له «ممدوح سالم»: دلني على صحفي موهوب ومتحقق، لا يشغله إلا السعي للحصول على حقه في الصعود، بإتقانه لعمله وتجويده له، يقبل أن يقوم بهذا العمل، ويقدم لي معلومات صحيحة عن زميل له، وأنا على استعداد لكي أستغني عن هؤلاء جميعا وأستعين بتقاريره.


ولم يجد «بهاء» ما يرد به على ما قاله وزير الداخلية، الذي لم يكن له معنى، إلا أن الذي يقوم بهذه المهمة، لا بد أنه يعاني عاهة نفسية، تدفعه للتطوع بالقيام بها، وأنه لا مفر أمامه - كمسؤول عن الأمن - إلا التعامل مع هذا النوع من البشر، الذي تقوده المنافسة الشريرة إلى القيام به.
أما السؤال الذي لم يسأله «بهاء»، ولعله طاف بذهنه ورأى أنه لا جدوى من البحث عن إجابة له، فهو المبرر الذي يدفع أجهزة الأمن للحرص على الحصول على هذه المعلومات، وللبحث عمن يقدمه لها، وهل هناك ضرورة أو مصلحة وطنية في معرفتها، أم أنها مجرد نمائم صغيرة وتافهة لا قيمة لها، ولا يجوز لأجهزة الأمن أن تشغل نفسها بالحصول عليها، أو تكافئ من يقدمها لها؟


ذلك سؤال لم أتنبه له، إلا بعد سنوات من نشر «أحمد بهاء الدين» لهذه الواقعة، إذ كنت وزميلي «رياض سيف النصر» آخر اثنين من الصحفيين المصريين، الذين فصلوا من عملهم في جريدة «الجمهورية» القاهرية، خلال عهد الرئيس «السادات» ولم يعودوا إليه بعد أن تغير العهد، وتولى خليفته «حسني مبارك» للسلطة، على الرغم من أن جميع الصحفيين الذين فصلوا من أعمالهم في ذلك العهد، كانوا قد عادوا لأعمالهم، تنفيذا لسياسة العهد الجديد، بتصفية آثار الصدام الذي وقع بين المعارضين وبين العهد السابق، وخلال هذه السنوات كانت نقابة الصحفيين تبذل جهودا لإعادتنا، تصطدم دائمًا باعتراضات لا يعرف أحد مصدرها على وجه التحديد.


ومع أننى كنت أعمل أيامها مديرا لتحرير جريدة «الأهالي» - لسان حال حزب التجمع اليساري المعارض - إلا أنني في ربيع عام 1987 ولأسباب تتعلق بالمناخ السياسي الذي كان سائدا في الحزب آنذاك، قررت أن أسترد حقي في العودة إلى الصحيفة التي فصلت منها تعسفيا، فانتهزت فرصة انتخابات نقابة الصحفيين، لأعلن إضرابي عن الطعام واعتصامي بمبنى النقابة إلى أن أعود إلى عملي.. وهو إجراء انتهى بتدخل كل المرشحين لمنصب النقيب لعودتي إلى العمل.


ودعاني المسئول عن مكتب الصحافة بمباحث أمن الدولة ليقول لي فيما يشبه التبرؤ من التهمة، إنهم غير مسئولين عن الاعتراض على عودتي للعمل، بعد أن زالت الأسباب التي أدت إلى فصلي بانتهاء العهد الذي صدر أثناءه قرار الفصل، وأن الاعتراض يعود إلى تدخل جهات لم يسمها لي، وكانت دهشتي بالغة حين قال لي متشكيا، وكأنه يومئ لي عن هذه الجهات، إنه في أحيان كثيرة تصله معلومات عني وعن غيري، يرى أنها تافهة وغير مهمة،

 

ولا صلة لها بأمن الدولة، فيهمل تسجيلها، ثم يفاجأ بالرئاسات العليا للجهاز تسأله عنها، وتؤاخذه لأنه لم يسجلها في تقاريره، ثم يعلم بعد ذلك أن الذي أبلغها إلى هذه الرئاسات هم صحفيون ممن ينتمون إلى مدرسة المنافسة غير الحميدة!
ولا بد أن دهشتي لم تكن تقل عن دهشة «أحمد بهاء الدين» حين أستمع إلى ما قاله ممدوح سالم - لكنها بالقطع - كانت أكثر من دهشتي، لأن قرار إعادتي للعمل لم ينفذ آنذاك، ولم يتحول إلى حقيقة إلا بعد أن أضربت مرة أخرى عن الطعام!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها