النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

التحرر من تاريخ الأوهام..

الخروج من فقاعة المصادرات الكلامية والأيديولوجية

رابط مختصر
العدد 10118 الأربعاء 21 ديسمبر 2016 الموافق 22 ربيع الأول 1438

كان أبناء جيلي – أيام كان هنالك تمسك بالثوابت الوطنية والعربية – منشغلين بالأيديولوجي بالدرجة الأولى، كنا نقرأ لغالي شكري ولمحمود أمين العالم والطيب تزيني ومحمد عمارة وسمير أمين وزكي نجيب محمود، وعبدالله العروي وحسين مروه وجورج طرابيشي وغيرهم كثير: خليط من الكتابات التي تتراوح بين الفلسفة والسياسة والأدب والفكر، وكان أفق الوعي والتحليل مسكونًا بالهواجس والقضايا الوطنية والقومية وعلى رأسها أزمة المجتمع العربي وسبل النهضة به والمضمون القومي للثقافة، وكانت نقطة الانطلاق هي نهضة الحضارة العربية بتجديد أبعادها المختلفة.. 


وإذا كانت المرحلة القومية في أوروبا قد اتسمت بنضال الشعوب الأوروبية لإقامة كياتها الوطني الخاص قد حررها من التأثير الضاغط للقوى الكبرى، فقد صاحب هذه الحركة صعود الثورات البورجوازية والديمقراطية الكبرى ضد الإقطاع والتخلف (بين القرنين 16 و19ميلادي) بما مهد للديمقراطية الأوروبية، فإن التطور الذي كان جاريًا في البلدان العربية – مع تفاوت بينها – كان متسمًا باتجاه أكثر جذرية، ذلك أن النضال ضد الهيمنة الغربية وضد والعدوان الصهيوني قد زاد حركات التحرر توجهًا نحو الجذرية السياسية بطابعها اليساري أو بطابعها الإسلامي والقومي وكان يبدو أن العملية التي يراد القيام بها لم تكن سوى الإجابة عن سؤال رئيسي وهو: كيف نتصرف كي نستمر في المحافظة على شخصيتنا في عالم يسيطر عليه الآخر؟


وكنا في تلك المرحلة في أواخر السبعينات من القرن الماضي، نحاول استيعاب أطروحات الدكتور عبدالله العروي حول العرب والفكر التاريخي والتاريخانية، وأطروحات الدكتور محمد عابد الجابري حول نقد العقل العربي وتجديد المضمون القومي للثقافة، ومقولات الدكتور الطيب تيزني حول طبيعة المجتمع العربي، ندرك بالتدريج – بعد تبين عقم النزعات الأيديولوجية – بأن ما كان يسمى بالنهضة العربية قد تعثر، وبأننا نعيش أزمة جديدة مركبة وأكثر تعقيدًا من تلك التي واجهها الطهطاوي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وطه حسين وغيرهم... وبدأ يظهر الوعي بالحاجة إلى نقد العقل العربي، وتعميق الاتجاهات المعرفية والانشغال باستيعاب المكتسبات المعرفية الجديدة، وتفعيلها والحاجة الماسة إلى تصحيح وعينا ومراجعة مسلماتنا المريحة.

 

وهكذا وبدأنا نطرح أسئلة أخرى تتعلق بتعريف الثقافة والوعي ودور المثقف، مثل: هل الثقافة هي التعبير الواعي عن واقع المجتمع، بحيث تكون الأسبقية لعنصر الوعي وتفضيل المعقول على اللامعقول والمكتوب على المروي؟ وكانت الإجابات تفضي بنا إلى تناقضات تنفي الثقافة كمضمون وكهدف أو تنفى القومية كميزة ثابتة ذات قيمة.. وكانت الاجتهادات توصلنا إلى أنه من العبث إعطاء طبيعة قومية لنماذج الماضي، لأن الثقافة في الماضي كانت عالمية بمعنى من المعاني... وإذن فالبحث عن ثقافة قومية في الماضي مضيعة للوقت، واللغة وحدها لا يمكنها أن تكون تشكل عنصر التمييز القومي، وبالتالي لا يمكن أن تشكل مضمون الثقافة العربية الجامعة... وأصبحنا أقرب إلى القبول بفكرة الانفتاح من الثقافة الإنسانية الحديثة الجامعة في مرحلتها الاوروبية، وتوصلنا إلى أن الخصوصية ليست هي التمسك بالماضي وتعبيراته ومنطقه المنغلق، ولا هي في الرفض الساذج للآخر، وللثقافة المعاصرة أو في المبالغة في أبراز ما يسمى بالخصوصية.


في ذلك الوقت بدأنا نتعرف على كتابات الدكتور محمد أركون ونجد متعة في قراءتها ونجد أنه يسبح في بحر آخر غير ذلك الذي درجنا على السباحة فيه، فقد لفت منذ البداية الى أسئلة لم تكن معهودة: (لماذا تغلب الخطاب الإسلامي التقليدي على سائر أنواع الخطاب العربي الاجتماعي والسياسي والثقافي؟). 
 لقد حاول أركون أن يفتح أذهاننا على ضرب من البحث جديد، يقتضي الشجاعة والجرأة، ويستدعى الانفتاح والمعرفة بجميع أبعاد الثقافة الإنسانية الشاملة والاستنباط الانتقادي، واتباع الإنتاج العلمي الضخم في جميع اللغات وسائر الميادين الألسنية والتاريخية والعلمية، هذا فضلاً عن ضرورة الإلمام الكافي بما أبدع القدامى من فكر ومعارف وفنون ومعارف واجتهادات، واستطاع أن يقدم خطابًا مختلفًا ذا طابع معرفي انتقادي مركزًا على التحليل التاريخي واللساني السيميائي،

متحدثًا عن الفكر العرفاني المكتوب والفكر الوحشي عن القرآن الكريم والظاهرة القرآنية، وعن التاريخ الراوي للأفكار والتاريخ المتعلق بالمنظومة الفكرية، وعن العلاقة بين اللغة والتاريخ والمجتمع والفكر، كما عالج قضايا الخطاب في الفكر العربي الإسلامي وفي التاريخ العربي الإسلامي، الخطابات الرسمية والخطابات المقموعة والمكبوتة والمنسية والمعزولة. وقد اقتضى منه ذلك كله منهجًا مختلفًا عن منهج التحليل الأيديولوجي الجاهز درجنا عليه، وهو المنهج المعتمد على هضم واستيعاب العلوم المتكاملة في المجالات اللسانية وفي العلوم الاجتماعية والتاريخية فضلاً عن التزامه الدائم بفكر حي متقد منتقد.

كما نجع بمنهجه أن يقدم خطابًا مختلفًا، بعيدًا عن المصطلح الأيديولوجي، يكشف ما في الأيديولوجي من انحياز وتزييف للحقيقة التاريخية، ولذلك تجاوز تلك التصنيفات المعهودة والسهلة للملل والنحل العربية والإسلامية القديمة والجديدة مرتفعًا إلى مستويات أعلى في النظر إلى تلك القضايا نظرة موضوعية. لقد تعلمنا منه أن الدرس التاريخي يظل ناقصًا إذا لم يعتمد على الدرس اللغوي وعلى علوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا، والمعارف الإنسانية الجديدة، بعيدًا عن المصادرات الكلامية أو الأيديولوجية، ويمكننا من خلال هذا المدخل أن نتحرر تدريجيًا من تاريخ الأوهام..

همس
«عندما يكتب المثقف انطلاقًا من اشمئزازه الشخصي سيكون نتيجة ذلك أنه لا يقرأ إلا ما يكتبه هو وزملاؤه، وبذلك يظن أن الرأي الآخر في طريقه الى الاضمحلال، وهذا الموقف يتسم بعدم النضج وعدم الموضوعية» المفكر المغربي الدكتور عبدالله العروي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها