النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

مدلولات صعود الشعبوية في المجتمعات الغربية (1ـ2)

رابط مختصر
العدد 10112 الخميس 15 ديسمبر 2016 الموافق 16 ربيع الأول 1438

عجَّت الدوريات الغربية في الآونة الأخيرة، ومن بينها فصليات رزينة مثل مجلة «الشؤون الخارجية» (Foreign Affairs) - الذي حمل غلاف عددها الأخير (نوفمبر 2016)، عنوان يحذر من «قوة الشعبوية»- بمقالات تعالج موضوع ما أصبح يطلق عليه اسم «الشعبوية» (Populism)، وهو تعبير مغاير تمامًا لما يعرف باسم «الشعبية» (Popularity). وقد دخلت ميدان مناقشة موضوع «الشعبوية» أقلام كثيرة من كتاب وصحفيين وباحثين، من أمثال الباحث الاميركي مارك فلورباي من جامعة برينستون، الذي يعتبر «الشعبوية» البحث من قبل سياسيين يحظون بكاريزما عن دعم شعبي مباشر في خطاب عام يتحدى المؤسسات التقليدية الديمقراطية. وبينما تصف «الشعبية»، كما يقول الكاتب زكريا الفاضل، «اعتناق الشعب لمذهب معين وتأييده له لما فيه من تجاوب مع عقلية الجماهير وتناسب ومطامحها الاقتصادية والسياسية وتطلعاتها المستقبلية»، نجد الشعبوية كما يضيف الفاضل «لا تملك أرضية فكرية ترسو عليها مبادئها لانعدام هذه الأخيرة. فالشعبوي لا يؤمن إلا بمصالحه الشخصية، فردًا كان أو تنظيمًا، ولا تعرف نفسه سبيلاً إلى الإيثار والتضحية إذ أنبنى تكوينه السيكولوجي على النرجسية والأنانية، لذلك تراه لا يؤمن بالوطن والوطنية في حين تجد إيمانه عميق بالوصولية والانتهازية وشعاره الأبدي: الغاية تبرر الوسيلة، (ويضيف، ولذلك) ليس سهلاً أن تميز الشعبوي من الوطني أحيانًا كثيرة، ذلك أنّ خطابهما غالبا يكون متقاربًا شكلاً وأحيانًا مضمونًا».
لكن مقابل ذلك نجد الشعبوي كما يصفه بلال بوسنة هو ذلك الشخص الذي «يتبنى مخاوف المواطن البسيط ويسطر على ضوئها البرامج والوعود الانتخابية فلا يكلف نفسه عناء البحث والتخطيط، إنه نوع من خطابات الطمأنة والانخراط في الفكر الجماهيري السطحي، ولذلك يراه الكثيرون أقرب إلى همومهم من خطاب النخبة المؤسس بصورة أكبر على المعطى العلمي والواقعي. وفي المقابل أفصح وعي المواطن الغربي أخيرًا عن فقر في الرؤى والأفكار وعن عجز في الاستدلال والتحليل، وأصبح فريسة سهلة لكل خطاب شعبوي يدغدغ عواطف الانغلاق والانفصال والتقوقع، ويبعث على الإحساس بالأمان إزاء عولمة الفوضى والإرهاب. إن الشعبويين ينتقون جيدا فئة الناخبين التي تذعن لدعايتهم الدغمائية وتسلم بها وهي الفئة الهشة ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، والتي يتملكها دائمًا الإحساس بالاستضعاف فتجنح للبحث عن أمنها المالي والجسدي».
من جانبه يؤصل الكاتب الكويتي خليل علي حيدر هذا الظاهرة مستعيرًا ما جاء على لسان أستاذ النظرية السياسية وتاريخ الأفكار في جامعة «برينستون» الأمريكية «يانفيرنر موللر» في كتابه (What Is Populism) حيث يعتبر الشعبوية «مذهبًا في السياسة يعتقد أصحابه أن نخباً منحرفة فاسدة وطفيلية، تتصدى على الدوام لشعب متجانس وواحد وطاهر أخلاقيًا. وأن هناك أمريكياً حقيقياً، وفرنسياً أصيلاً، ومجرياً نقياً.. وهكذا، (مضيفًا) ويرى الشعبويون أنهم وحدهم يمثلون الشعب الحق، وإرادة الجماهير وكل من عداهم فاقد لمشروعية التمثيل، وهكذا فهم رواد المدرسة الحَصْرية في التمثيل السياسي».
وبخلاف ما يعتقد البعض منا فالشعبوية ليست ظاهرة جديدة أو طارئة، إذ يرجع البعض أصولها إلى أواخر القرن التاسع عشر عندما ظهرت بوادر هذه الحركة في روسيا والولايات المتحدة. وكانت تعبر في أصولها «عن حركة زراعية، بإيحاءات اشتراكية، لتحرير الفلاحين الروس في حوالي العام 1870». على نحو موازٍ ودون أدنى تنسيق انطلقت «في الفترة ذاتها، حركة احتجاجات في الريف الأمريكي موجهة ضد البنوك وشركات السكك الحديد». لكن المصطلح في أطاره المعاصرة مرتبط مع الحركة التي أطلقها الزعيم الأرجنتيني خوان بيرون، والبرازيلي غيتوليو فارغاس في أمريكا اللاتينية التي جسدت «حركات شعبية بإيحاءات وطنية واجتماعية في بعض الأحيان من دون أي إشارة إلى الماركسية ونضال الطبقات أو الإيديولوجية الفاشية».
بدوره يجتهد الكاتب المغربي عبد اللطيف العبوبي بلفقيه، في تشخيصه لبروز ظاهرة «الشعبوية»، إذ يجد فيها انعكاسًا مباشرًا لـ«هشاشة الديموقراطية». ويستعين في ذلك بما جاء على لسان المؤرخ الفرنسي «ميشيل وينوك»، الذي يعتبرها «مثل الحمى، علامة مرضية. فلا جدوى من احتقارها إذا لم يُعمل على علاج ما تكشفه من ضروب الحرمان. نجاحها يشكل عمومًا أمارة على الشرخ والفجوة الواسعة بين الحكام والمواطنين، بين الفقراء والاغنياء، والديماغوجية (وسيلتها) التي تلجأ اليها تمنعها (لا محالة) من الوصول الى مسؤولية الحكم وتدبير الشأن العام، لكن الاحتجاج الصاخب الذي تُسْمعه لا يجب رغم غلوه وافراطه وحماقاته ان يصل الى آذان صماء».
الباحث عبد الإله بلقزيز، يحاول أن يلج حوار الشعبوية من منظار تنظيمي، ولذلك نراه يرادف بين الشعبوية «والفوضوية والعفوية التنظيمية والتجريبية القاتلة في التفكير، (ويعتبرها جميعًا) أمراضًا لازمت العمل السياسي منذ القرن التاسع عشر في الغرب فأنتجت حالات سياسية باثولوجية من طراز الفوضوية النقابية، والعدمية، والبلانكية، والنازية، وسواها مما انتقده مفكرو السياسة الكبار في القرن العشرين. بيد أن أسوأ ما في هذه الشعبوية أنها تؤسس لميتافيزيقا سياسية جديدة، بل قُل للاهوت سياسي جديد، هو لاهوت الشعب!».
في خضم كل هذه النقاشات نجد أن ما يلفت النظر في مسألة الشعبوية، هو أنه على الرغم من ظهورها المبكر في أواخر القرن التاسع عشر، لكنها ما تزال محط خلاف عندما يتعلق الأمر بتعريفها، وهو ما يشير له مدير مجلة «كريتيك» فيليب روجيه في العام 2012، (نقلاً عن موقع فرانس 24) حين ينوه قائلا «هذه الكلمة في كل مكان، لكن من دون تعريف لها». يشاركه هذا الرأي، خبير الأفكار السياسية في معهد العلوم السياسية في غرونوبل أوليفييه ايهل حين يقول: (كما ينقل موقع فرانس 24) «اليوم أيضا، لا يزال من الصعب تحديد هذا المصطلح، لأنه يثير جدلاً، و يعني ظواهر في غاية الاختلاف انها لا تستخدم للتوضيح بقدر ما تستخدم للتنديد».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها