النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

ابنة سائق التاكسي التي تزوجت بالملك فاروق

رابط مختصر
العدد 10109 الإثنين 12 ديسمبر 2016 الموافق 13 ربيع الأول 1438

بعد أكثر من نصف القرن على رحيله، نشرت خلالها وقبلها عشرات الكتب وآلاف الصفحات، عن حياة الملك فاروق منذ ميلاده، حتى وفاته (1920 - 1965) لا تزال سيرته تثير فضول الذين عاصروا السنوات الأخيرة من حكمه لمصر، والسنوات الثلاثة عشرة التي قضاها في المنفى، بعد عزله عن العرش في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952، كما تثير فضول غيرهم.. وكان ذلك ما دفعني لمتابعة الحوار التليفزيوني الذي أجراه الإعلامي وائل الإبراشي مع مغنية الأوبرا الإيطالية «إيرما كابوتشي»، باعتبارها - كما زعمت - الزوجة الشرعية الثالثة له، بعد الملكة فريدة التي تزوجها عام 1938 وانفصل عنها بالطلاق عام 1948، وأنجب منها أربع بنات، والملكة ناريمان التي تزوجها عام 1951، وطلقها عام 1953، وأنجب منها ابنه الوحيد الملك «أحمد فؤاد الثاني»، الذي كان لا يزال طفلاً رضيعًا في الشهر السابع من عمره، حين عزل والده، وخلفه على العرش، لمدة أحد عشر شهرًا، تحولت مصر بعدها إلى النظام الجمهوري.


وكان فاروق من بين الشخصيات التاريخية، التي شغف المؤرخون بالبحث عن تأثير الجوانب السلبية في سلوكهم الشخصي على الدور العام الذي لعبوه في تاريخ بلادهم.. إذ كانت أمامه - في بداية حكمه - فرصة مؤكدة لكى ينهض ببلاده، ويحفر اسمه في تاريخها كإحدى بناته العظام، فقد تولى الحكم بعد توقيع معاهدة 1936 التي منحت مصر درجة أوسع من الاستقلال على الرغم من بقاء قاعدة عسكرية بريطانية في أراضيها، واستقبله الشعب بتفاؤل بأن يكون عهده - على العكس من عهد والده - عهدًا للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والديمقراطي، والتف الشعب كله حول عرشه، ولكنه بسبب عيوب في شخصيته لم يحسن استغلال هذه الفرصة، إذ أفقده شغفه بالنساء وإدمانه القمار واستهتاره وشراهته لجمع المال وفساد الحاشية التي أحاطت به،

 

كل الرصيد الجماهيري الذي تحقق له في بداية عهده، خلال أقل من عشر سنوات على توليه الحكم، وقادته هذه الآفات الخلقية كلها إلى اتخاذ قرارات سياسية خاطئة، انتهت به إلى المصير المفجع الذي انتهى إليه. تلك مدرسة في تفسير التاريخ تنطلق من رؤية تذهب إلى الذي صاغ تاريخ الأمم والشعوب، هم مجموعة من الأبطال الأفذاذ ذوي القدرات الخارقة، مكنتهم من التحكم في مسيرته، ومن تحقيق انتصارات ضخمة وإنجازات عظمية لبلادهم.. وردا على هذه المدرسة التي تبالغ في تعظيم دور الفرد في التاريخ، نشأت مدرسة أخرى ترفض هذه النظرة الأحادية في تفسير التاريخ، وتذهب إلى أن هناك عوامل متعددة ومتشابكة ومتبادلة التأثير، تسهم في ذلك، تشمل العوامل الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والروحية والسياسية، وأن الفرد لا يؤثر على مسار الظاهرة التاريخية، إلا بمقدار قدرته - في مرحلة من المراحل - عن اتخاذ المواقف التي تنسجم مع تفاعل هذه العوامل كلها.


كان الملك فاروق إذن ابن عصره وزمنه، ومحصلة للتفاعل بين العناصر الموضوعية التي أحاطت ببلده خلال ذلك العصر سواء كانت إقليمية أو دولية أو محلية، لكن التضخيم في أثر عيوبه الشخصية على مصير مصر في عهده يعود بالدرجة الأولى إلى مدرسة التأريخ الإعلامي لهذا العهد، التي نشطت في أعقاب ثورة 23 يوليو 1952، لكي تنسب إليه كل الرذائل الخلقية التي يتضمنها قاموس الأخلاق الفاسدة، بما في ذلك رذائل ثبت فيما بعد أنه لم يكن يرتكبها في حياته، مثل شرب الخمر، في محاولة ساذجة،

 

للإيحاء بأن مصر لم تولد إلا في يوم 23 يوليو 1952، وأن كل شيء فيها كان فاسدًا قبله، فأمطروا الصحف التي كانت تصدر آنذاك، والتي صدرت بعد ذلك، بسلسلة من الحكايات التي تركز على جوانب التحلل الخلقي التي تنسب للملك فاروق، وهو ما تنبه إليه مبكرًا «أحمد بهاء الدين» مؤلف كتاب «فاروق ملكًا»، وهو أول كتاب صدر عن هذا العهد، بعد أسابيع قليلة من ثورة يوليو، فحرص على أن يذكر المصريين بأن الذين يحاولون إيهامهم بأن الثورة قامت لأن فاروق كان مجرد زير نساء أو لاعب قمار أو لأن حاشيته كانت فاسدة، يسعون لتضليلهم ولإخفاء الحقيقة عنهم، وخلاصتها أن فاروق فقد عرشه لأنه داس على الدستور، واعتدى على إرادة الأمة.


وكان ذلك ما ذهب إلى شيء منه في ثمانينات القرن نفسه «عادل ثابت» - وكانت والدته بمثابة خالة للملك فاروق - فنبه إلى أن كثيرين من صناع التاريخ من نيرون إلى نابليون، كانوا يشغفون بالنساء وأن مأساة الملك فاروق - في تقديره الذي يختلف عن تقدير أحمد بهاء الدين - تكمن في أن جميع الذين وثق بهم قد غدروا به، على الصعيدين السياسي والشخصي، وحالوا بينه وبين إعادة إحياء مشروع جده «محمد على الكبير» في بناء «مصر الكبرى»، وهو ما دفعه في أواخر أيامه إلى استيراد جنرال ألماني من بقايا الجيش النازى لكى يعيد تنظيم وبناء الجيش المصري، ولكن قادة الجيش آنذاك، قاوموا الفكرة وعملوا على إفشالها خشية أن يفضح الخبير الألماني جهلهم وتقصيرهم.. فعملوا على تهميشه وقصروا مهمته على مجرد الإشراف على تطوير إدارة الإمدادات والتموين.


وبعد ساعتين أمضيتهما في سماع ثرثرات «إيرما كابوتشى» عن علاقتها بالملك فاروق، لم أجد فيما قالته شيئًا يضيف إلى ما هو معروف عن تاريخه، وتأكد لى من مروياتها المرتبكة أنها لم تكن زوجة شرعية له، ولم أصدق ادعاءها بأن الزواج تم على يد مأذون شرعي، وبأن وثيقته الرسمية قد حرقت ضمن حريق شب في اليخت الذي كانت تقيم فيه معه في «مونت كارلو»، وبدت لي مشهدًا من أحد أفلام «حسن الإمام»، وتنويعًا على مرويات كثيرة روجت لها مدرسة التاريخ الإعلامي عن الملك فاروق وعن غيره من الشخصيات العامة، وأن الهدف الوحيد من ظهورها على الشاشة هو تأكيد حقها في أن تحمل لقب «الأميرة» ودعم ادعائها بأن فاروق قد تزوجها لأن والدها كان أميرًا ينتمي للبيت المالك الإيطالي، ولم يكن - كما قال أحد الصحفيين الإيطاليين في كتاب ألفه عن الملك فاروق - سائق تاكسي، فكانت النتيجة أن أكد أسلوبها في الحديث أنه كان كذلك بالفعل!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها