النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

عملاق في زمن الأقزام

رابط مختصر
العدد 10098 الخميس 1 ديسمبر 2016 الموافق 2 ربيع الأول 1438

أثار انتباهي الكثير من النعوت والمفردات والاماني المتباينة حول موت زعيم بقامة فيديل كاسترو، بل ولم ألتفت لعبارات تميزت بالاسفاف الثقافي والانساني عكست نمطًا من الرجال والبشر، الذين اعمت الاحقاد والكراهية انسانيتهم بفرح الموت لانسان. لتفرحوا بنخب كؤوسكم واثملوا في المخادع مع النساء وانتم هاربون في زمن لوث الطين والوحل كرامتكم الانسانية. هؤلاء لم يثيروا فيّ الا الاشمئزاز لسعادة زائفة، فلا احد فينا كان يتوهم ان كاسترو سيكون انسانا خالدا في الوجود، من كل هؤلاء سعداء «الثورة المضادة» بوعي او دون وعي افصحوا عن مشاعرهم الدفينة ورقصوا بالاعلام في شوارع فلوريدا، وقد كانت محطات التلفاز تتجول «تستفتي !» وتفتش عن وجهات النظر حول موت رجل أقض مضاجع الدولة العظمى وهو على بعد بضعة كيلومترات من حدودها. السؤال كان يدور في الاساس حول كيف استقبلتم خبر وفاة كاسترو، ومن تلك الاجوبة الساذجة لجيل ثالث شاب كوبي امريكي الاطباع والمميزات ولايمتلك من الثقافة والذاكرة إلا ما سمعه من جده الذي نزح وهرب من الثورة وهي في بداياتها 1959 - 1960، واحد من جيل الثورة ببياض شعره ووعيه وحقيقة ما يؤمن به من جيل الثورة المضادة «قال انا لا يهمني موت كاسترو فنحن نعرف انه سيموت ولكن ما يهمني زوال هذا النظام وعودة الحرية لبلادي». مثل هؤلاء معارضتهم السياسية للثورة نابعة عن وعي ومصالح فقدوها مع انتصار الثورة، التي قلبت الجزيرة رأسا على عقب من حديقة خلفية وماخور ومقمرة لأثرياء ميامي، هؤلاء تفجعهم الكراهية الطبقية للرجل الذي أعاد صياغة حياة كاملة للنظام السياسي السابق الذي جعل من فقر وبؤس هافانا أسوأ مكانًا في العالم بعد الحرب العالمييتن، وبذلك يقول لك غالبية الكوبيين ان كاسترو والنظام منحنا «الكرامة والكبرياء»، هؤلاء الخصوم بفروسية لا يشتمون ويشمتون في موت رجل من رجالات القرن العشرين، وانما تقبلوا الهزيمة الطبقية والصراع على مضض لان الفارس النبيل لا يطعن خصمه من الخلف فلتلك النزاعات الفروسية طقوسها ونبالتها، فالرجل الخصم يحترم ندية وثوابت خصمه مهما كانت الاختلافات بينهم لأن صراع الكبار عملاق كشموخهم، اما صغائر الاقزام فإنهم يخرجون من المستنقع الانساني في لحظة مآسيه وهم جذلى بطبولهم وعرسهم.
لقد أمسك الكوبي المعارض في ميامي بحقيقة جوهرية اكثر من رحيل كاسترو، حيث يظل هناك نظام مختلف لا يود رؤيته الاثرياء في القارة طودًا راسخًا امامهم، فكوبا هي كاسترو خلال حياته وستبقى تقاوم بعد مماته، قدر تحملها كبلد صغير للدسائس ولن تتوقف سياسة حياكة المؤمرات ولا مواصلة خنق كوبا بالحصار التاريخي الطويل في معركة الصراع الطبقي بين نظامين مختلفين في النظام العالمي. ومن حق اي انسان وجماعات وطبقات في كوبا الحالية او خارجها ان يختار نظامه السياسي، بل ومن حقه ان يناضل من اجل تغيير ذلك النظام، ففي معركة الصراعات الطبقية على السلطة لا توجد خط هدنة ومساومة بين النقيضين، وقد يموت البشر من اجل قضيتهم ومصالحهم الطبقية وبشراسة، ومن يتوهم خارج ذلك المبدأ فهو واهم فلا احد يسلم السلطة بباقة ورود لخصمه الطبقي، فلا العمال والفلاحون وفقراء كوبا سيخنعون ببساطة ولا الثورة المضادة في فلوريدا ومدريد وعواصم امريكا اللاتينية سيلقون براياتهم قبولا بهزيمتهم قبل اكثر من نصف قرن.
هؤلاء المعارضون الكوبيون أفهم فرحهم لرحيل رمز كان يطاردهم كأثرياء صالات قمار هافانا ومروجي مخدرات للقارة شمالها وجنوبها، فقد خسروا ممتلكاتهم ومصالحهم حتى العظم، وهربوا بملابسهم الداخلية، غير انني لا افهم نشوة الاقزام بموت رجل مثل كاسترو إلا سبب واحد هي كراهيتهم لأفكار ومبادئ ذلك الرجل.
 اردنا او لم نرد نحبه او لا نحبه فهذا لا يغير من الحقيقة التاريخية، فقد طوى كاسترو آخر صفحة من كتاب القرن العشرين كواحد من اعظم رجالاته ولا يمكن لاي باحث ودارس للتاريخ المعاصر والثورات بإمكانه ان يقفز كالقزم من سور حديقة كاسترو الكوبية، فقد أسس فيديل اول نظام سياسي مختلف في قارة امريكا اللاتينية، كما انه يعتبر بعد لينين وثورة اكتوبر الاشتراكية 1917 وماوتسي تونغ مؤسس جمهورية الصين الشعبية 1949 في القارة الاسيوية وهوشي منه في شمال فيتنام، حيث شكلت الثورة الكوبية (1959) اضافة لمفاهيم ومقولة الثورة التاريخي في الماركسية، ليضيف كاسترو بعد ماركس ولينين عن دور دكتاتورية البروليتاريا المسلحة في اسقاط السلطة، ليضيف ماو في التربة الصينية مدرسة اخرى في التحرر الوطني ليرى ان بامكان الفلاحين بالتعاون مع عمال المدن اسقاط السلطة انطلاقا من الريف للمدن، على خلاف التحليلات التاريخية لماركس.
وفي ظروف جديدة عالمية نتيجة توازن القوى في الوضع العالمي، وجد كاسترو الشاب ورفيق دربه غيفارا، ان بالامكان لمجموعة غوار يتسع لهيبتها لتشعل الغابة كلها عبر نظرية البؤرة الثورية، والتي قد تفشل او تنجح ولكن لابد من خوضها، وهناك من التجارب الكثيرة السابقة واللاحقة المحبطة، ولكن الثورة الكوبية اجتازت الامتحان بجدارة لتسقط تلك البؤرة الثورية نظام باتيستا. وبذلك يصبح كاسترو وكوبا نموذجًا جديدًا للثورات التحررية، ولاول نظام اشتراكي يصبح مثار اعجاب شعوب القارة وشبيبة العالم والدول النامية.
ما قدمته كوبا كاسترو كثيرًا من خلال ثورتها لشعبها، فعلى الاقل كانت الثروة بشحتها توزع على مائدة الجميع دون فساد، ورغم كل تلك الشحة في الثروة والحصار الظالم لشعب اختار نظامه الخاص كما يختار الآخرون انظمتهم، قدمت كوبا في مجالات الثقافة والرياضة والتعليم والصحة ارقاما اذهلت العالم، ومن يريد معرفة تلك الارقام عليه فتح ارشيف الامم المتحدة لمعرفة التنمية الفعلية لذلك النظام السياسي، والذي تحقق على يد شخصية من طراز كاسترو. وقد اشار تشي في مذكراته: «دون شك بان مارتي هو اول مفكر في العالم الثالث ويصح هذا التصريح، اذ يؤكد ما قاله كاسترو قبل ذلك بست سنوات، لثورة من ثورات البلدان النامية، بيد ان امرًا آخر في هذه الكلمات يستحق ان نعيره انتباهنا هو استخدام الماضي، كان مارتي مرشدنا وكان يجب الرجوع الى كلامه لا لانه انكر هذا الكلام، بل العكس وكان يجب ان نتذكر كلامه انه نصحنا هو ذاته بأن نفعل في كل لحظة ما هو ضروري في كل لحظة» ص11 غيفارا الاعمال الكاملة.
نعيد الى الذاكرة فقط الدفاع الرائع الذي القاه فيديل كاسترو عام 1952: «سينصفني التاريخ». ظلت مدوية تلك العبارة في قاعات المحاكم والصحافة بين هافانا والمكسيك حيث ستنطلق منها كوكبة شابة عبر مغامرة بحرية جديرة بقراءتها بالتفصيل، فلم تكن تلك الرحلة البحرية نزوة او نزهة لمجموعة طائشة بقدر ما هي احلام ذلك الزمن بتحقيق الثورات من اجل سعادة الشعوب وعدالتها المفقودة.
وقد أثير لغط كثير من وراء كواليس اجهزة الاعلام والاستخبارات عن رحيل جيفارا لاستكمال مشروعه الثوري في اشعال بؤر ثورية في القارات الثلاث، فبثوا عن ان هناك خلافا عميقا بين رفيقي الدرب. وفي عام 1966 تحدث كاستروا الى روبرتو فرناندز ريتامار محاولاً الاجابة على تساؤلات الرحيل وبشكل مباشر بأنه لا توجد خلافات بين الاثنين، حيث قال كاسترو «انضم الينا الرفيق غيفارا عندما كنا منفيين في المكسيك. ومنذ اليوم الاول لم تكن تفارقه الفكرة التي عبر عنها بوضوح، وهي انه عندما ينتهي الكفاح في كوبا، فإن عليه واجبات اخرى يجب ان يقوم بها في امكنة اخرى، ولقد قطعنا له على انفسنا وعدا بأننا لن نطلب منه البقاء في بلادنا من اجل اية مصلحة للدولة، واية مصلحة قومية، واي ظرف، ولن نمنعه من تحقيق هذه الرغبة او هذه الدعوة. وقد وفينا وفاءً تامًا مخلصًا بهذا الوعد الذي قطعناه للرفيق غيفارا» ص16 المذكرات.
اليوم تستيقظ وفي كل ساعة كوبا بدون كاسترو وهذا الغياب بدا كالكابوس المزعج، ولكنهم كانوا ينتظرونه في السنوات الاخيرة، فالحزن الكوبي واقعي وانساني للرجل الذي اسس وبنى الدولة الاشتراكية كنموذج جديد في القارة والعالم. وليس بالضرورة ان لا تحفر معاول الهدم في بنية ذلك النموذج بشتى الوسائل كما فعلت الامبريالية العالمية مع المعسكر الاشتراكي في قلب القارة الاوروبية، وعليهم مواصلة تدمير ما تبقى من النماذج بشتى الطرق فالصراع الطبقي ما عاد في الداخل وحسب وانما في الخارج ايضا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها