النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

مغادرة ذاكرة 2011م

رابط مختصر
العدد 10097 الأربعاء 30 نوفمبر 2016 الموافق 1 ربيع الأول 1438

الذي يطالع بياناتهم وأوراقهم أو يستمع إلى تصريحاتهم ومطالباتهم قد يتهيّأ له أنهم يمتلكون قوة سياسية ضخمة، تؤهلهم للسيطرة على مقاعد البرلمان أو على الدوائر البلدية. ولكنهم في الواقع إذا ما اجتمعوا لن تكون أصواتهم مجتمعة كافية لإيصال مرشح واحد الى البرلمان، أو حتى الى دائرة بلدية. ولعلّ هذا ما دفع بهم الى التحالف في لحظة مغرية سياسيًا مع القوى التي تمتلك قاعدة انتخابية واسعة نسبيًا - بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي معها - وهذا هو جوهر المأزق الذي وقعت فيها تلك الجماعات، اعتقادًا منها أنها تمتلك الرؤية ولا تمتلك جمهورًا، وعليها بالتالي أن تذهب الى هذا الجمهور حيث يتواجد. ولكن ما غاب عنها هو انها - كي يتسنّى لها استخدام ذلك الجمهور - عليها ان تتخلص من كل شيء ينتمي إليها، بل وأن تغيّر جلدها ألف مرة وأن تعدّل خطابها وتوجّهاتها مائة درجة، وباختصار كان عليها أن تكون على غير ما هي عليه، أي أن تتخلص من نفسها، من بنيتها الفكرية ورؤيتها الأيديولوجية وحتى من ثوابتها.
هذا ما يقوله الواقع، وهذا ما تقوله التجربة، ولكن هذا لا ينقص من أهمية الصوت السياسي لهذه الجماعات في طبعتها الأصلية غير المعدلة جينيًا، خاصة إذا كانت لم تتشوّه بالكامل، إذا ما امتلكت الفرصة لاسترجاع هويتها الأصلية، من خلال امتلاك القدرة على رسم الرؤى العقلانية بالخروج من لحظة الحصار وحالة الاختطاف القسري.
ما غاب - ولا نتمنّى أن يستمر غيابه طويلاً - أن القوى العقلانية المستنيرة - أو من بقي منها على العهد على الأقل - أن العبرة في السياسة ليست بالكثرة، ولا بعدد الأصوات فقط، بل العبرة بامتلاك رؤية ورأيًا حصيفًا يمكن أن يكون له دور في تطوير الحياة السياسية وتنمية الوعي السياسي، باختصار يمكن للقوى العقلانية المستنيرة دور سياسي وفكري وإعلامي مؤثر، خصوصًا وأن أغلب الناس باتوا يرغبون صراحة في تعزيز الإصلاح والديمقراطية واتخاذ قرارات اقتصادية واجتماعية أكثر تقدمًا في اتجاه الوصول إلى حلول واقعية، تناسب الظروف الحالية، والتوقف عن لعبة الابتزاز والمزايدة السياسية، ولم يعد هؤلاء - بعدما حدث - مستعدين لدفع ثمن باهظ من حياتهم واستقرارهم ووحدة نسيجهم الاجتماعي الوطني في مقابل هذه الرغبة المحمومة في فرض أجندة سياسية، مهما كانت هذه الأجندة مشروعة، ولم يعودوا مستعدين للسماح لأي طرف سياسي - مهما كان مهمًا - أن ينفرد بنفسه بتقرير ما يحتاجه الناس وما يريدونه ومستوى الإصلاحات التي تنفعهم، أو السماح لأي طرف سياسي - مهما كان كبيرًا - أن يحدث باسم الشعب وأن يفعل ما يفعل باسمه وبالنيابة عنه، أو السماح له بأن يقود الناس والمجتمع إلى المواجهة التي تزيد الأمور تعقيدًا.
ذلك إذن جانب من هذه الإشكالية في هذه الفترة المهمة من تاريخ البلد في مواجهة الذين ورّطوا أنفسهم والبلاد في هذه الأزمة المركبة، اعتقادًا بأنهم يحاولون الخروج بها نحو الأفضل - ولكنهم اليوم خارج كل ما هو مؤسسي يعيشون على الهامش، ويشتكون من «الحل الأمني» مع أنهم رفضوا أي حل سياسي عقلاني واقعي كان مطروحًا بشكل مستمر؛ لأنهم رفعوا سقوف المطالب الى أعلاها، وفضلوا ان يرفعوا أصواتهم في الشوارع بدلاً من الفضاء الطبيعي للحوار، فكانت النتيجة ما حدث من ذلك الانفلات والفوضى والعنف.
وبالعودة هنا إلى ملاحظة البداية - وهي الملاحظة الموجهة إلى القوى المصنّفة تاريخيًا بكونها قوى عقلانية مستنيرة - نقول لقد آن الأوان لتجاوز خطابها العدمي السابق الذي كان قائمًا على وضع شروط مسبقة لأي حوار، ووضع سقوف عالية للمطالب غير واقعية وغير محتملة بكل المقاييس.
نعم تحتاج إلى الحوار الصادق دائمًا الحوار غير المشروط ضمن أفق الإصلاح، ولكن بشرط أن تكون إعلانات صادقة وليست مجرد مناورة؛ لأن الهروب من مواجهة الواقع والحقائق والمعادلات على الأرض، وركوب الغرور لن يفيد في شيء ولن يصنع حلاً، ومواجهة الحقائق وحدها تفضي إلى تحمل المسؤولية، وتحمل المسؤولية يؤدي إلى وضع الأمور في نصابها الصحيح، وهو طريق صعب ولكنه ضروري.
ولكن للأسف فإن ما طالعناه الى حد الآن من الخطاب السياسي بصيغته الحالية يبدو بدون أفق ولا يريد على ما يبدو أفقًا خارج ذاكرة 2011م، وقد ظل خلال السنوات الماضية يشيع لغة سلبية في مجملها، تنكر التقدم في الديمقرطية والإصلاح والتقدم - مهما كان محدودًا - فأنتج ثقافة جديدة هي ثقافة الشكوى والإنكار والتنكّر مع نبرة الاتهام المستمر للآخر.
إن أولى الخطوات في الطريق الى التحرر من تلك الذاكرة هي استخلاص الدروس واستعادة الثقة في العمل المؤسسي، والاقرار انه من البديهي أن مبدأ الحرية يتيح لكل القوى تقديم آرائها بالشكل الحزبي أو الإعلامي الذي يناسبها، لكن يجب أن لا ننسى أن العمل الحزبي المدني والإعلام الحر في حد ذاته نبتة تحديثية بلورتها العلمنة وأخصبتها الديمقراطية، وفي هذه الحالة تبدو ثوبًا غير مناسب للقوى الطائفية، خاصة تلك التي تمارس عنف المعتقد بما ينتجه من تعبيرات طائفية فاتكة بالنسيج المجتمعي، ومن هنا تأتي الخطوة الثانية وهو ضرورة الفرز بين القوى المدنية الديمقراطية الحقيقية العقلانية المستنيرة، وبين القوى الطائفية العدمية التي لا يمكن أن تكون جزءًا من مستقبل العمل السياسي المدني العقلاني في أي دولة مدنية ديمقراطية. أما ثالث هذه الخطوات فتتمثل في ضرورة ان يعلو صوت السياسة والفكر الحر والرأي الحكيم عاليًا، لتأمين الخروج من الأزمات بكافة أنواعها ومستوياتها، وما عدا ذلك فطريق المغامرة والانتحار السياسي.

همس
حبّات المطر الدافئ
تمسح جبين الصيف المتعثر
في شباك الشمس العارية.
النبضة المنقبضة،
تعيد حياكة السحابة.
لحظة البوح المخطوفة
في نصف قلب مهجور.
ونصف حياة
أتذكرين؟
أيتها المنشورة في عيني
المسكوبة في قلبي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها