النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

قراءة السادات الخاطئة لأحداث يناير 1977

رابط مختصر
العدد 10095 الإثنين 28 نوفمبر 2016 الموافق 28 صفر 1438

من بين ثنايا الحوار السياسي والاجتماعي الصاخب الذي تشهده مصر هذه الأيام، بسبب قرار تعويم الجنيه، وزيادة أسعار المحروقات، توقفت أمام حقيقة أذاعها بعض الذين تحمسوا لهذه القرارات، تقول ان صدورها تأخر أربعين عامًا على الأقل، وان السبب في ذلك انتفاضة الطعام في 18 و19 يناير 1977، التي أجبرت الرئيس الراحل «أنور السادات» على التراجع عن أول محاولة للاستجابة لنصائح صندوق النقد الدولي لإصلاح أحوال الاقتصاد المصري، بإيقاف العجز المتزايد في الموازنة، والحد من تصاعد التضخم، وهي قرارات كانت تقضي برفع جانب من الدعم الحكومي لعدد من السلع، مما يؤدي إلى زيادة طفيفة لا تتجاوز قروشًا في أسعار السكر والزيت والأرز والشاي والبنزين والحلاوة الطحينية.. لكنها أثارت غضبًا شعبيًا عارمًا، أشعل تظاهرات بدأت سلمية، ثم تحولت إلى عمليات تخريب واسعة، لم تضطر السادات إلى إلغائها، ولكنها - حالت كذلك بين خلفائه وبين اتخاذ أي خطوات حاسمة تجاه ازدواج أسعار صرف الجنيه أمام الدولار وتزايد ميزانية الدعم، والاختلال في ميزان المدفوعات وتضخم العجز في الموازنة، وفتح الباب واسعًا أمام الفساد والاحتكار، إلى أن وصلت الأحوال الاقتصادية إلى درجة لم يعد ممكنا معها إلا اتخاذ الإجراءات الصعبة التي أعلنت في الأسبوع الماضي.
وأضاف ما ذهب إليه هؤلاء، أثرًا سلبيًا ثالثًا لتداعيات الانفجار الشعبي العفوي، الذي شهدته مصر في يناير من عام 1977، كنت قد توقفت أمام الأثرين السابقين عليه، في محاضرة ألقيتها في يناير 1987، بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة لهذه الانتفاضة، بعد أن كشفت أحداث هذه السنوات العشر عن أن ما حدث يومي 18 و19 يناير 1977، كان البداية التي دفعت الرئيس السادات للتفكير في إجراء اتصالات سرية مكثفة ومباشرة مع الإسرائيليين، انتهت بعد عشرة أشهر بسفر رئيس أكبر دولة عربية إلى القدس المحتلة، لكى يعلن - في نوفمبر 1977 - وفي خطاب ألقاه أمام الكنيست الإسرائيلي، استعداده لتوقيع معاهدة سلام معهم.. تنهي الصراع العربي - الإسرائيلي.
وطبقًا لروايات كل الشهود الذين التقوا بالرئيس السادات، وحدثوه فيما جرى خلال هذين اليومين، فإن ما حدث فيهما ترك في نفسه جرحًا عميقًا، لم تندمل آثاره حتى رحل عن الدنيا، فقد خرجت الجماهير بعد 39 شهرًا فقط من حرب أكتوبر، تهتف بسقوط الرجل الذي ملك شجاعة اتخاذ قرار الحرب، وتنزع أكاليل الغار التي وضعتها فوق رأسه، وتهز قوائم نظام الحكم الذي أقامه والذي كان شديد الثقة في أنها - بعد نصر أكتوبر - قد أصبحت راسخة، بل إن تطاول هذه الجماهير عليه وصل إلى الحد الذي أوشكت فيه مجموعات من المتظاهرين، أن تصل إلى استراحته في أسوان، حيث كان يقيم خلال الأحداث، مما اضطره إلى الهرب إلى العاصمة.
وكان المنطق الذي استند إليه السادات، في الربط بين ما جرى في هذين اليومين، وبين زيارته للقدس، ينطلق من رؤية أقنعه بها بعض المحيطين به، تذهب إلى أن سبب الأحداث يعود إلى أن العرب الذين استفادوا من حرب أكتوبر فرفعوا سعر النفط من 6 إلى 30 دولارًا للبرميل، قد تخلوا عنه، ولم يقدروا حجم ما أنفقته مصر على الحروب الأربعة التي خاضتها باسمهم مع إسرائيل حتى خرجت من آخر هذه الحروب - وهي حرب 1973 - وقد وصل اقتصادها إلى درجة الصفر بحيث لم يعد أمامه - وقد ضنوا عليه بمساعداتهم - سوى أن يسعى للصلح مع إسرائيل، وساعتها فسوف تنهال عليه القروض والمعونات الأمريكية والأوروبية، فيتمكن من إصلاح أحوال الاقتصاد المصري المختلة... ومن استعادة الجماهير التي استغل خصومه الأزمة الاقتصادية لتحريضها ضد نظامه.
أما الأثر السلبي الثاني الذي ترتب على أحداث يناير 1977، فقد تمثل في تخلي الرئيس السادات عن الانفراجة الديمقراطية المحدودة، التي بدأ بها عهده واتسعت نسبيا في أعقاب حرب أكتوبر، ووصلت إلى الحد الذي أصبح فيه التظاهر السلمي - خلال العامين السابقين على هذه الأحداث - يكاد يكون حقًا معترفًا به، وتميزت الانتخابات العامة التي جرت عام 1976 بدرجة ملحوظة من النزاهة، سمحت بفوز كتلة محدودة العدد - ولكنها مؤثرة - من النواب المستقلين، فضلاً عن ممثلين لثلاثة أحزاب سياسية كانت بداية لعودة التعددية السياسية إلى مصر بعد غياب استمر ما يزيد على عشرين عاما، وهى كلها ظواهر أصبح «السادات» يضيق بها أشد الضيق، بعد انتفاضة يناير، بعد أن وضع فأس المسؤولية عما جرى خلالها في رقبة اليساريين،
واتهمهم بالتخطيط لها، مهددًا إياهم بأنه سيطاردهم حتى آخر الأرض وآخر التاريخ.. وأنه سيطبق عليهم ما كان يصفه آنذاك بأنه «ديمقراطية الأنياب والأظافر» التي قادته إلى وضع كل خصومه السياسيين رهن التحفظ فيما عرف بثورة 5 سبتمبر 1981. وليس معنى هذا أن «السادات» كان على حق فيما استنتجه من دلالات ما حدث في 18 و19 يناير 1977، أو أنه أصاب فيما اتبعه من سياسات انطلاقًا من هذه الاستنتاجات، أو أن احتجاج الجماهير - الذي كان عفويا ولم يخطط له أحد مسبقًا - كان في حد ذاته خطأ، ولكن معناه، أن على الجميع أن يحسبوا لأقدامهم قبل الخطو موضعها، وأن يدركوا أن عفوية الجماهير، لا تقود دائما إلى تحقيق أهدافها، بل إنها - إذا افتقدت للقدر الضروري من الوعي والتنظيم - تقود عادة إلى العكس، ولذلك انتهت أحداث 18 و19 يناير إلى نتائج لا صلة لها بما كانت تطالب به الجماهير، بل لعلها كانت تتناقض معها تمامًا، بينما أجلت لمدة أربعين عامًا، النتيجة الوحيدة التي كانت تحقق هذه المصالح، وهي الشروع في إصلاح اقتصادي جذري، لو كان قد حدث آنذاك، لما أصبح على مصر أن تدفع ثمنًا باهظًا وبالغ الصعوبة، لإتمامه هذه الأيام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها