النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

ديمقراطية من دون ديمقراطيين.. نهضة مسروقة.. أمة محاصرة بين قوسين

رابط مختصر
العدد 10095 الإثنين 28 نوفمبر 2016 الموافق 28 صفر 1438

المفارقة بين التطرف والتعصب والديمقراطية عندنا لا تثير أي إشكال عند قطاع واسع من الناس، فمن المعتاد الجنوح دون عناء نحو تكفير المختلف معنا واخراجه في ثوانٍ قليلة من الملة، ونتحدث في ذات الوقت عن الحرية والديمقراطية والتسامح، دون الشعور بأي تناقض في هذا المجال، وهذا يكاد يكون ملمحًا من ملامح العديد من الخطابات السياسية. ففي الوقت الذي يستسهل فيه بعض رجال الدين - والعديد من الناس البسطاء بالتبعية والتقليد - تكفير المخالفين لآرائهم، فإنهم وفي ذات الوقت يؤكدون على الإيمان بحق الاختلاف وحرية الرأي والتعبير، مما يدفعنا للاحتياط من إعلانات الإيمان بالديمقراطية وحقوق الإنسان التي تطلقها بعض الجماعات الدينية التي تشتغل في الفضاء السياسي.. وتجعلنا هذه الظاهرة نستخلص بأن المعيار الأساسي في تحديد طبيعة فكر ما لا يتمثل فقط في طبيعة المصطلحات السياسية المتداولة وفي مرجعياتها، بل في طبيعة الأسس المعرفية للفكر السياسي، وبمصدر معرفته وكيفية استقائها وتفاعلها مع معطيات الواقع.
وفي حالة التيارات السياسية الدينية، يبدو تحقيق التوازن بين الفكر والواقع صعبًا، بالنظر إلى اعتقادها بأنها تنهل معتقدها حصريا من الدين الخالص، بما يجعلها لا تعرف للحق إلا وجهًا واحدًا، وهذا ما يترتب عليه نتائج خطيرة تتمثل في تكفير كل من يخالف هذه الرؤية التي هي أيديولوجية بالأساس، إنه العقل الذي يعتمد إيديولوجيا من أكثر الإيديولوجيات انغلاقًا وتطرفًا، لاعتقاده بأن منظومة قيمه تنبع من المقدس وليس من العقل البشري، مما يسمح له بتكفير كل من يفكر خارج هذه الدائرة وإن تعلق الأمر بمسائل بسيطة تخص المعاملات اليومية.
فعندما يتحدث قادة التيارات الدينية - خصوصًا الذين يستندون في فكرهم وقراراتهم ومواقفهم إلى المرجعيات الدينية المقدسة - عن الديمقراطية على سبيل المثال، يتولد نوع من المفارقة، بين ربط سلطة المقدس والمطلق، وسلطة الزمني السياسي، بما يجعل القرار السياسي والتشريعي الديمقراطي (الانتخاب أو الاستفتاء أو القانون) مقيدًا بمباركة وموافقة أو عدم موافقة الفقيه المرشد المقدس (سواء أكان وليا فقيها أم مجرد فقيه أم مرشدًا عامًا)، ومن الطبيعي والامر على هذا النحو ان تكون الديمقراطية في مثل هذا السياق مجرد عنوان معلق في السماء من دون محتوى، وهذ اغرب حالة يمكن ان تعيشها الديمقراطية في العالم، تكون فيها ديمقراطية من دون ديمقراطية ومن دون ديمقراطيين!! ديمقراطية يديرها متعصبون!
إن التعصب لا ينشأ إلا من الاعتقاد بإمكانية التوصل إلى حقيقة مطلقة نقية لا يشوبها الشك، فالوثوقية تؤدي إلى الديكتاتورية بالضرورة، وهذه الوثوقية هي التي تحاكم المثقفين والمفكرين بسبب تأويلاتهم الخاصة، فالذي لا يشك، لا يمكن له التواصل مع الآخرين، وأن يرى فيهم أقدارًا متفاوتة من الصواب والخطأ، والذي لا يشك لا يمكن له ينقد نفسه أو يراجعها لأنه واثق من كل شيء، لأنه يعتقد أنه مبعوث من العناية الربانية أو التاريخية لتخليص الناس شاءوا ذلك أم أبوا، وبذلك يكون المخالفون لراية أو حتى غير المتحمسين له ضالين بمعياره للهداية والضلالة، وتلك في العادة المقدمة الطبيعية لمحاكمة الفكر الحر، ومحاكمة المثقف عندما يتجرأ على أن يختلف مع السائد من الأفكار والقراءات والتأويلات الجاهزة والمنجزة والمنتهية، وتلك كارثة واستسلام لثقافة تهافت الفلاسفة.
إن إحدى الإشكاليات التي نعاني منها اليوم تتمثل في كوننا ما زلنا نبحث عن أنفسنا دون أن نقوى على التجاوز، ملفاتنا جميعا مفتوحة مثلما كانت دوما مفتوحة منذ بداية عصر النهضة، هذا الضيق الغريب في مساحات حرية الإبداع، وإذا كانت الشعوب الحية تعيش على وقع الأفكار الجديدة منذ خمسة قرون على الأقل، وإذا كان هؤلاء قد حققوا فتوحات لم يحققها الإسكندر المقدوني، فلأنه انقرض من بينها كل فم مكمم، وكل حاجب مرتفع، وكل نقطة تعجب واستفهام. ومحاكم التفتيش عندهم صارت من تاريخ عصور يسمونها بخجل عصور الانحطاط، لكن مازال حرق الكتب طقسا من الطقوس العربية، ومازالت أصوات قادمة من عصور الظلام العربية تطالب بحرق الكتب، ولذلك لا عجب أن تكون الإضافات النوعية عندنا محدودة وضئيلة إلى حد مؤسف..
نحن اليوم واقع يدور حول نفسه ولا يتقدم ويمكن أن تذهب إلى أي مكان في الوطن العربي وتتجول في أي مكان فيه وتبقى عشرات السنين لتعود بعد ذلك إلى نقطة البداية لتجد أن دار لقمان على حالها بوضع الإبداع في البلاد العربية إذا مازال حجر وسجنه وحرقه وتمزيقه ومصادرته لأسباب غير إبداعية طقس من الطقوس العربية المدهشة العراقة منذ سقوط غرناطة وإلى اليوم في عملية إحياء للطقس الهولاكي الشهير في محو الكتابة وحرق الكتب. ومن سخرية القدر أننا في الوقت الذي لم نحسم فيه بعد علاقة الإبداع بالدولة وعلاقة الإبداع بالدين وعلاقة الإبداع بالتجارة وعلاقة الإبداع بالإعلام، نتحدث بفخر عجيب وبغرور يدعو إلى السخرية والشفقة بأننا سائرون على الدرب وإننا لاحقون بركب الحضارة وبأننا ندخل عصر الحاسوب والقمر الصناعي والمعلوماتية، ونحن مازلنا نتصرف في حدود فكر المحراث الخشبي والرمح والنشاب ومحاكم التفتيش، في أحسن الأحوال..
إن الأمم المتقدمة تقدمت لأنها سارت وما تزال تسير مع حركة التاريخ، وفي تقدمها الزمني تحسم تاريخيا في قضايا بعد صهرها في بوتقة فكرية في إطار التجاوز ولذلك نادرا ما تعود إلى الوراء: فقد حسمت جدلية علاقة الدين بالدولة وعلاقة الإبداع بالرقابة والمواطن بالسلطة والأدب بالقيم، مثلما حسمت مع النازية والفاشية واعتبرهما حالة استثنائية محاصرة بين قوسين في تاريخ أوروبا الحديث.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها