النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

تاجر بحريني كاد أن يُقْتل في السعودية

رابط مختصر
العدد 10092 الجمعة 25 نوفمبر 2016 الموافق 25 صفر 1438

إنه رجل الأعمال البحريني المعروف علي راشد الأمين (أبو راشد). نعم! كاد الرجل أن يُقتل في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وتحديدًا في مدينة طريف على حدود المملكة الشمالية مع الأردن. وملخص القصة كما رواها بنفسه لصحيفة البلاد البحرينية (5/‏‏‏‏6/‏‏‏‏2016) أنه كان يعمل هناك في خمسينات القرن العشرين كوكيل للمقاول ورجل الأعمال السعودي المعروف المغفور له بإذن الله علي عبدالله التميمي، فاشتكى له رئيس المخازن أن أحد الموظفين لا يقوم بأداء واجبه الوظيفي ويستخدم المخازن للنوم. 

 


وعلى إثر هذه الشكوى قام علي الأمين بفصله من عمله دون أن يدري أو يدر بخلده أن لذلك التصرف عواقب وخيمة في ذلك المجتمع القبلي المعتاد على «الفزعة». إذ بمجرد أن انتشر خبر فصل الموظف الكسول تداعى أبناء قبيلته للانتقام ممن تسبب في قطع عيشه بالقتل.
يعترف الأمين أنه خاف على حياته، بعدما جاءه أحد الأشخاص محذرًا، فقرر الهرب من مكان عمله والاختباء مع متعلقاته الهامة في أحد المنازل إلى أن أشرقت شمس اليوم التالي فغادر طريف على عجل قاصدًا مدينة الخبر، على بعد أكثر من 1300 كيلومتر، حيث مقر إقامة رب عمله علي التميمي الذي خفف من روعه وأبقاه عنده ليعمل سكرتيرًا في مكتبه بالخبر، فصار من أوائل البحرينيين الذين عملوا في هذه المدينة السعودية الأقرب إلى البحرين، وتركوا بصماتهم عليها.

 


ولد علي راشد الأمين ونشأ بمدينة المحرق في 31 ديسمبر من سنة 1932، وتحديدًا في فريج المحميد، ابنًا لأسرة محرقية معروفة محبة للعلم، فقد كان والده قارئًا نهمًا وكان جده إمامًا لمسجد الحي؛ لذا لم يكن غريبًا أن يغرس فيه والده حب القراءة منذ الصغر ومعه حب الشعر العربي وجملة من الخصال الحميدة كالصبر ومد يد العون للآخرين ومساعدة المحتاج. كما لم يكن غريبًا أن يحرص والده على تعليمه بإلحاقه بأول مدرسة نظامية في البحرين وهي مدرسة الهداية الخليفية التي تم افتتاحها في عام 1919. 
في تلك المدرسة، زرع الأمين أجمل وأروع ذكرياته، وزامل مجموعة من خيرة رجالات البحرين في عقد الأربعينات، وسط أجواء مفعمة بالود والسلام والطمأنينة والفرح والحبور والأحلام الوردية بمستقبل زاهر. ومن أبرز من زاملهم في الهداية الخليفية «محمد صالح الشيخ علي» سفير البحرين السابق في كل من سلطنة عمان ثم في المملكة العربية السعودية والذي يقول عنه الأمين إنه كان دائمًا يحصل على المرتبة الأولى في الصف.

 


وفي مقابلة أجرته معه الصحفية تمام أبو صافي ونشرتها صحيفة «الأيام» (1/‏‏‏‏5/‏‏‏‏2016) أخبرنا الأمين عن قصة سفره للعمل في المملكة العربية السعودية التي أقر الرجل بفضلها الكبير عليه؛ لأنها فتحت أمامه أبواب النجاح واكتساب المعارف وعلمته أسرار التجارة وقيم الإنسان العصامي، ومكنته من جمع مبلغ من المال خاض به غمار العمل التجاري الحر، فقال إن الذي شجعه على السفر إلى المملكة العربية السعودية صديق له هو المرحوم محمد بن علي مطر الذي كان أخوه عبدالرحمن بن علي مطر يعمل في مشروع خط الانابيب عبر البلاد العربية (التابلاين)، وقد قام عبدالرحمن بن مطر بتقديم كل ما احتاجه الأمين من مساعدة وهو في غربته، خصوصًا وأنه طبقًا لكلامه واجهته مشاكل وعقبات كثيرة كأي شاب يبدأ حياته المهنية في بلد آخر ليس لديه معرفة به.

 


بداية عمله في السعودية كانت في خمسينات القرن العشرين انطلاقًا من مدينة بقيق، إحدى مدن النفط الحديثة الثلاث في المنطقة الشرقية، حيث عمل هناك في سوبرماركت يرتاده الأجانب، فلاحظ حركة البيع النشطة وحفظ أسماء وعلامات المنتجات التموينية المرغوبة ومصادرها. ومنذ تلك اللحظة اختمرت في رأسه فكرة ممارسة الاتجار في المواد الغذائية والتموينية. غير أن تنفيذ الفكرة تأجل طويلاً وطواها النسيان. فقد اقترح عليه صديقه التاجر البحريني المرحوم عبدالله الساعي أن يتشاركا في متجر صغير في مدينة الخبر لبيع الكماليات المرغوبة من قبل موظفي شركة أرامكو الأجانب، على أن تكون مساهمة كل منهما عشرة آلاف ريال. وبالفعل تم تجهيز وافتتاح المتجر المذكور تحت اسم المتجر العربي الجديد في المنطقة التجارية الحديثة وقتذاك، أي في قلب شارع الأمير خالد (شارع الملك خالد منذ عام 1975، حينما تولى الأمير خالد الملك خلفًا لأخيه الملك فيصل طيب الله ثراهما).

 

 

وكان هذا المتجر يقع في نطاق متاجر حديثة أخرى تابعة لتجار بحرينيين مثل «متجر العلم الأخضر» الذي كان يملكه اثنان من أصدقاء وزملاء دراسة الأمين وهما «علي وجاسم بن الشيخ». أما بضاعة المتجر العربي الجديد فكانت تشتمل على ملابس الرجال الجاهزة من الماركات الأمريكية، والملابس الداخلية، وربطات العنق بأنواعها وإكسسواراتها، والأحذية والأحزمة والمحافظ الجلدية، والبيجامات وأرواب الحمام، والأقلام والساعات وغيرها. 

 


لكن الأمور لم تسر كما كان مأمولاً، بالرغم من البدايات المشجعة لجهة حركة البيع والإيرادات. وعليه قرر الأمين أن ينسحب ويعود إلى البحرين ليجرب حظه فيها بما ادخره من عمله في السعودية، فيما واصل عبدالله الساعي إدارة المحل شراكة مع إخوانه يوسف ومحمد الساعي (لا يزال المتجر يعمل إلى اليوم في الموقع ذاته وإن انكمشت مساحته الأصلية وتغيرت جودة بضائعه).
وعندما عاد إلى وطنه خاض الأمين ثلاث تجارب في العمل كتاجر لحسابه الشخصي. التجربة الأولى كانت تلك التي تاجر فيها بالملابس وكانت فاشلة. وانطبق الشيء نفسه على تجربته الثانية التي كان محورها الاتجار في المجوهرات. وكاد اليأس أن يتسرب إلى نفسه لولا أنه تذكر فجأة عمله بالسوبرماركت في بقيق والخبرة التي اكتسبها هناك لجهة البضائع التموينية المطلوبة وعلاماتها التجارية ومصادر استيرادها، فقرر في عام 1969 أن يخوض تجربته التجارية الثالثة ووضع بعين الاعتبار أن تكون في مجال السلع التموينية والغذائية التي له بعض الخبرة فيها، فنجح وفتحت أمامه كل أبواب الصعود ليصبح اليوم واحدًا من أهم خمسة تجار يزودون البحرين بأهم السلع الغذائية وليترأس مجموعة تجارية تقود 12 شركة موزعة ما بين البحرين والسعودية وقطر، وتعمل في مجالات مختلفة.


الذين رصدوا الصعود التجاري لعلي راشد الأمين يتذكرون أنه بدأ بدكان صغير في شارع التجار بالمنامة (أسواق ميدواي حاليًا)، وكان حينها يشتري البضائع من تجار الجملة ويبيعها بالتجزئة، فوفقه الله وراح يكبر شيئًا فشيئًا، ونجح في الاستحواذ على وكالات شركات عالمية متخصصة بالمواد الغذائية، لكن أول وكالة حصل عليها كانت لنوع من أنواع كريمات البشرة الذي نشر عنه إعلانًا ترويجيًا لدى صديقه المرحوم محمود المردي صاحب جريدة الأضواء البحرينية، فكان الإعلان سببًا في إقبال الناس على شراء هذا الكريم الجديد من داخل البحرين ومن الدول الخليجية المجاورة، وبالتالي زيادة مبيعاته وارتفاع كمية المستورد منه.
في هذه الأثناء، بادر الأمين مع غيره من تجار البحرين بتأسيس الشركة العامة للتجارة وصناعة الأغذية المعروفة اختصارًا باسم «مجموعة ترافكو» وذلك بهدف إحداث ثورة في صناعة الأغذية في البلاد. 


كما كان للأمين في هذه الفترة دور مشهود في تأسيس الشركة البحرينية الدانماركية للألبان التي قررت تغيير اسمها إلى شركة أوال للألبان في فبراير 2006، تفاديًا لمقاطعة شعبية محتملة؛ بسبب نشر إحدى الصحف الدانماركية لرسوم مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم.
وهكذا وفق الله الأمين في التجارة التي تعلم الرجل أبجدياته من عمله في السعودية، أولاً في سوبرماركت بقيق ثم على يد صديقه عبدالله الساعي، فافتتح المحل تلو المحل في معظم مناطق البحرين وصارت لديه شركته التجارية التي يترأسها ويعمل فيها مع أولاده الأربعة راشد وخالد وماجد وزايد، علمًا بأن والدهم ترك لهم حرية اختيار مجال العمل فاختاروا جميعهم أن يعملوا معه، فيما بقيت أختهم الوحيدة السيدة لبنى الأمين (أم فراس) بعيدة عن عالم التجارة، لكن منخرطة في عالم الفنون التشكيلية والنشاطين الثقافي والاجتماعي بشخصيتها اللطيفة وتواضعها وروحها المرحة. 


ويعرف الأمين في أوساط البحرينيين بمالك أسواق «ميدواي» وهي سلسلة من محلات السوبرماركت المنتشر فروعها في مختلف مناطق البلاد. ويتولى الإدارة العامة لهذه الأسواق الابن الثاني للأمين وهو «خالد علي راشد الأمين» المتخرج من جامعة أوستن بولاية تكساس الأمريكية في تخصص التسويق. وطبقًا لتصريح أدلى به الأخير في سبتمبر 2016 بلغ حجم استثمارات شركة علي راشد الأمين في قطاع التجزئة من خلال فروع أسواق ميدواي نحو ستة ملايين دينار بحريني.
والمفارقة هنا أن المقاول ورجل الأعمال السعودي علي بن عبدالله التميمي الذي كان الأمين يعمل لديه موظفًا في السعودية دخل أيضا عالم بيع السلع الغذائية والتموينية بالتجزئة من خلال سلسلة متاجر «التميمي سيفواي» المنتشرة في مدن المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، والتي يديرها اليوم أبناؤه.


ويمكن إدراج اسم علي راشد الأمين ضمن أسماء كبار رجال الأعمال في الخليج الناشطين في مجال الخير والبر والإحسان وخدمة المجتمع، وتقديم الدعم للفقراء والمحتاجين والمرضى والأيتام والمعاقين وطلبة العلم. وشاهدنا على ذلك قيام الرجل بتأسيس «جمعية الأمين الخيرية» التي تم إشهارها رسميًا في عام 2014، وحرصه على التبرع سنويًا للمشاريع الخيرية في فلسطين، وتخصيصه لجزء من أرباح شركته لدعم نحو 50 جمعية ومؤسسة خيرية أخرى ناشطة في البحرين مثل: جمعيات مرضى القلب، ومرضى السرطان والأورام، ومرضى السكري، ومرضى الكلى، ومرضى الصم والبكم، وجمعيات متوحدة «داون»، وجمعيات الأمراض الوراثية والسكلر، وغيرها. 


ومن الملاحظ في أعمال الأمين الخيرية وجود اهتمام خاص لديه برعاية الأيتام ودعم جمعياتها، وربما كان مرد ذلك هو أن صاحبنا عرف اليتم وأوجاعه حينما فقد والده وهو في سن العاشرة، ثم فقد والدته بعد أربعة أشهر فعاش حياته يتيمًا مع شقيقه. أما اهتمامه بأعمال الخير والاحسان بصفة عامة فيعزى إلى ما أوصاه به والده ذات مرة وهو «إذا طلب منك أحد المساعدة وتستطيع تقديمها فلا ترده». ويقول الأمين: «هذه الوصية الجميلة ارتسمت في عقلي وروحي؛ ولهذا حاولت أن أقدم ما يمكنني تقديمه لكل من يطلب مساعدتي». ولعل ما ساعده في ذلك طبقًا لحديثه لصحيفة الأيام (مصدر سابق) أن الله وفقه برفيقة عمر تحب هي الأخرى فعل الخير، من عائلة المير وهي عائلة تجارية بحرينية معروفة.


وبسبب التجارة، إضافة إلى شغفه بالمعرفة وهواية اكتشاف ثقافة وحياة الآخر، جال الأمين في كل أرجاء العالم زائرًا دول الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا والامريكيتين وأفريقيا علاوة على استراليا. وحينما قيل له «إذا خيرت في السفر لإحدى الدول فما هي الدولة التي ستختارها؟»، لم يتردد وأجاب على الفور: «كوريا الجنوبية»، مفسرًا سبب هذا الاختيار بما تتمتع به هذه البلاد من جمال ونظام واسلوب حياة جاد ودقة في العمل وصناعات متطورة.


ومن الأشياء التي تحز في نفس أبو راشد اليوم أن المجتمع المتآلف الذي عاش فيه في طفولته قد تغير وطرأ عليه ما ليس في تاريخ البحرين أو طباع أهلها. فقد سجل عنه قوله: «كانت المنامة تضم مختلف الأجناس والديانات، فاليهود كانت لهم معابدهم والمسيحيون لهم كنائسهم وكذلك الهندوس، وكانوا جميعًا مع المسلمين تربطهم صداقات وعلاقات أخوة متينة. إن البحرين هي واحة للعيشة الطيبة والراضية التي يكتنفها الهناء والمحبة بين الجميع». كما سجل عنه رفضه الخوض في الانتماءات المذهبية للناس، وإدانته لمن يحاولون إحداث شرخ في النسيج الاجتماعي للبحرين مذكرًا بما كان عليه الحال وقائلاً:

«كان معظم رفاق الدراسة من الطائفة الشيعية، وكنا نحرص يوميًا على اللعب فترة العصر، وخلال مناسبة عاشوراء كنا نقصد المأتم معهم وكنت أحفظ القصائد التي تلقى في هذه المناسبة، وكانت أمي رحمها الله تحرص على التبرع سنويًا للمأتم المجاور لمنزلنا، وفي مجلس المحميد كان يجتمع السني والشيعي في أجواء اجتماعية تغيب فيها تمامًا الانتماء المذهبي، في الواقع لم يكن الاختلاف ليصنع خلافا، وأتمنى أن نحافظ دومًا على هذا النسيج الاجتماعي المتماسك».


بقي أن نعرف أن أبا راشد من هواة الاستماع إلى الموسيقى والغناء ومن عشاق أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، كما يحب الشعر العربي ويحفظه. ومن أقرب القصائد إلى قلبه القصيدة التي كتبها الشاعر الاندلسي ابن زيدون إلى محبوبته الأميرة ولادة ابنة الخليفة المستكفي والتي يقول مطلعها:


أضحى التنائي بديلاً عن تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ألا وقد حان صبح البين صبحنا
حين فقام بنا للحين ناعينا


تنويه وتصويب: في مقال سابق عن الشاعر الإماراتي الشعبي «سالم بن محمد الجمري» ورد خطأ غير مقصود صححه لي مشكورًا الأخ الأديب الأستاذ محمد أحمد المر من دبي. فقد ذكرت أن ميلاد الشاعر كان في منطقة الراشدية بدبي، والصواب هو أن ميلاده كان في منطقة ديرة القديمة التي تسمى حاليا بالراشدية. كما ذكرت أن الشاعر تأثر بالشاعر «الماجدي الظاهري» وكان من جلاسه، فيما الصواب هو ان الجمري قرأ عن الظاهري وتأثر به؛ لأن الأخير عاش في عهد اليعاربة الذين حكموا عمان قبل أسرة البوسعيد الحاكمة حاليًا، لذا وجب التنويه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها