النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

حدود التسامح والصراعات الحداثة ومدنية الدولة والحق في الاختلاف

رابط مختصر
العدد 10090 الأربعاء 23 نوفمبر 2016 الموافق 23 صفر 1438

في كل عام نحتفل مع العالم في 16 من نوفمبر باليوم العالمي للتسامح، إلا أن مصطلح التسامح في سياقه المتداول عندنا، يحيل في الكثير من الأحيان إلى مفهوم العفو مع المختلف عنا في الدين أو المذهب - وهو امر مهم وضروري، ولكنه ليس كل التسامح، بل هو جزء منه فقط، فالمفهوم الأكثر اتساعا في العالم هو القبول بالرأي والرأي الآخر، أي الاتفاق على علوية الحرية والحق في الاختلاف عن السائد، وعما هو سائد من الآراء، دون عنف، وهذه الصياغة هي الأقرب إلى السياق الذي يحتفي به العالم، وإذا كان على الناس ذوي القناعات الدينية والإيديولوجية والسياسية المختلفة أن يعيشوا معًا في مجتمع ديمقراطي تعددي، خاصة في مجتمعات متعددة الثقافات وبها تنوع في المذاهب والأديان وحتى القوميات، فإن هذه الحقيقة الواقعة تجعل من حرية المعتقد والرأي والموقف ضرورة قصوى لبناء التسامح وتكريسه على الأصعدة كافة.
وفي الحقيقة فإن الدعوة إلى التسامح أصبحت اليوم تأخذ بعدها العالمي الرسمي منذ أن بدأت المواثيق الدولية تذكرها أو تشير إليها في نصوصها ربما بدءًا من ميثاق الأمم المتحدة ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وأثمرت الجهود الدولية بشأن نشر ثقافة التسامح عن صدور«إعلان مبادئ التسامح» عن المؤتمر العام لليونسكو في عام 1995 وإعلان عام 1996 عامًا دوليًا للتسامح. واكتسبت الدعوة الدولية للتسامح زخمًا ملحوظًا على اثر التصاعد الأخير في أحداث العنف والإرهاب وكراهية الأجانب وسوء معاملة الأقليات ورواج بعض نظريات الصراع أو الصدام الثقافي والحضاري، حيث شهد المفهوم تطورًا واضحًا في العصر الحديث ليتسع إلى معنى حرية الآخر، لا فقط في الحقل الديني، بل كذلك فيما يتعلق بالآراء والقناعات، الفلسفية والسياسية والشخصية، حيث تم تنزيله منزلة الحق المقدس، بما يوجه البشر إلى الاعتراف بالآخر دون حجب حق الاختلاف في الفكر وفي الممارسة في إطار القانون الجامع الذي يحكم سلوك الأفراد في الدولة المدنية، بل إن الفكر الإنساني تطور اليوم إلى ما هو أبعد من ذلك باعتبار الاختلاف مصدر ثراء وغنى، وهو بهذا المعنى مطلوب لذاته، ومطلوب لما يسهم به من طاقة فاعلة على مستوى الإبداع والثراء الفكري والثقافي وحتى الاقتصادي، ونرى اليوم العديد من الدول القوية والمتقدمة على كافة الأصعدة، تستمد جزءًا من غناها من التعدد والتنوع، وعلى رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية، فالتنوع إذا ما تم استثماره في مناخ الحرية والقانون، يمكن أن يتحول إلى طاقة فاعلة.
إن العالم في هذه المرحلة من التحولات في حاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ قيمة التسامح لمجابهة الأنانية والنزعة نحو التحجر والتعصب في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإحلال الاطمئنان محل الخوف، والتضامن بدل الإقصاء والتهميش في المجتمعات المتقدمة وفي غيرها على حد السواء، فالتسامح قيمة محورية في التنمية وإليها ترجع كل قيم حقوق الإنسان.
والتسامح قبل كل ذلك من جوهر ديننا الإسلامي الحنيف، وفي صلب تقاليدنا الاجتماعية، وهو تاج الفضائل وميزة تاريخ البحرين الذي يشكل مثالاً لانصهار التنوع في البنية الحضارية، إلا انه وللأسف فإن نمو الاتجاهات الطائفية والعنصرية والتمييزية خلال السنوات القليلة الماضية بسبب سطوة تأثير الجمعيات والتيارات السياسية- الدينية الطائفية الانعزالية فكرًا وممارسة، قد أدى إلى تنامي نزعات عدائية ضد الآخر -حتى الشريك في الوطن- وهذه التيارات تكرس جل جهدها اليوم لحفر الخنادق التي تعزلها عن الآخرين حتى بالنسبة إلى العناصر المكونة للنسيج الاجتماعي المحلي، فما بالك بالآخر بالمفهوم الديني والسياسي والثقافي خارج الفضاء الوطني.. وطالما أن هذه الجمعيات تنبني على أسس دينية - طائفية، فإنها لن تكون قادرة بتركيبتها تلك على استيعاب وممارسة قيم التسامح بكافة معانيها السياسية والدينية والثقافية، حتى وان ادعت غير ذلك.
والغريب عندنا أن الجميع يتحدث عن التسامح ولكنهم لا يطبقونه، بل الذي يدعو الى الاستغراب ان على رأس المتحدثين عن التسامح هم في الغالب أولئك المتعصبون أنفسهم.. واذا كنا الى اليوم غير قادرين على تقبل اختلافنا فيما بيننا وبين انفسنا فكيف سنكون قادرين على القبول باختلافنا مع الاخرين من خارج دائرتنا الثقافية والحضارية والدينية..
إن المشكلة متأتية من قوة تأثير التيارات الدينية والطائفية منها على وجه الخصوص فهي التي تعيش على الحقد والتمييز والتعصب بكل اشكاله، فنظريًا يبدو التدين والإيمان عاملاً معززًا للتسامح والتضامن بين بني الانسان، وواقعيًا تحول التدين الى أداة من الادوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من ان أغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى او في العصر الحديث قد لبست لباسًا دينيًا او طائفيًا.. ذلك أن للإيمان وظيفتين: وظيفة دينية وأخرى سياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت. كما أن العلاقة بين العقل والإيمان تخضع لثلاثة مقومات: المقوم المعرفي والشعوري والخضوع للدولة وهذه التركيبة تتغير حسب الفترات التاريخية، وأن التفكير دينيا بشكل مغاير لما هو سائد يمس البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يرتبطان، وما هو ملفت، ان هذا الارتباط أو حتى الانصهار بين الديني والسياسي في الدولة عرفته دول الغرب المسيحي مع محاكم التفتيش في أسبانيا، ومع دخول أوروبا مرحلة الحداثة، وظهور الدولة الرأسمالية وعلمنة الدولة تراجع الديني إلى المجال الخصوصي وبدلا من الحروب الدينية قامت حروب الأمم.
إن الحداثة، هي أساس التقدم والمدنية والتي تجعل الدولة تنظر الى الانسان باعتباره مواطنًا حرًا بغض النظر عن دينه او مذهبه وتجعل الدين مسألة شخصية صرف، فإنسانية الانسان هي القيمة المطلقة، وان مشروع الأنوار الذي شهدته اوروبا الحديثة قد جرد الوجود الإنساني من كل حضور ديني ضاغط ومتحكم كان يهدف، وكذلك فعلت الشيوعية، ولكنهما لم ينجحا تمامًا في محو الفوارق والتمييز على اساس ديني فالحروب ما تزال تقوم في أكثر من مكان على اساس ديني ومذهبي وعرقي في كثير من الأحيان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها