النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

«حزب الراتب» حزب السعادة الدائمة!

رابط مختصر
العدد 10088 الإثنين 21 نوفمبر 2016 الموافق 21 صفر 1438

صديقي يصنف نفسه برجوازيًا صغيرًا جدًا، - وهو توصيف يختلف عن المفهوم السائد في الأدبيات اليسارية حول البورجوازية الصغيرة- ويصر على نعت بنفسه وموقعه الاجتماعي بالصغير الضئيل، بالرغم من انه بلغ عقده الخامس، بادرني منذ أيام قليلة بسؤال صغير: كيف تتمكن من التعامل مع أوضاع التقشف المتفاقم؟
قلت: إنني مثل ملايين البشر على هذه الأرض لا أملك سوى الراتب الذي يؤمن الحد الأدنى من مقويات الحياة، ولذلك فالأزمة المالية لا تعنيني كثيرًا طالما انني احصل على ما يقيم حياتي ولو في حدها الأدنى، أما التقشف فقد تعودت عليه وتعود علي، فصرنا رفيقين صديقين من زمن بعيد، ولذلك فإن سؤالك في غير محله، إلا إذا كنت تقصد مدى تأثير الأزمة المالية على الراتب نفسه، فذلك أمر متروك للأيام ولرحمة الله!!!
في هذه اللحظة أدرك الصديق بأنه تورط في مناقشة دائرية سخيفة، فسارع إلى توضيح المقصد، فحكى لي عن نماذج من معاناة الأصدقاء الصغار في نادي الصغار الجدد والقدامى من (حزب الراتب) ممن يعتمدون على الراتب لضمان استمرار الحياة، واضطروا في طريق التطلع المشروع وغير المشروع ان يستدينوا من البنوك ليقامروا في الأسهم، فخسروا كل شيء تقريبًا، وهو اليوم على حافة الجنون، فمنهم من فعل ذلك طمعًا في ربح أكيد وسريع، ومنهم من فعلها ضمن حسبة شطارة غير محسوبة، ومنهم من فعلها ضمن هندسة مالية حتى يتمكن شراء بيت العمر.
وفي سياق تبادل الشكوى أكد لي الصديق فيما يشبه القصيدة النثرية الدراماتيكية، أن أحلامه تتقلص وتتلاشى يومًا بعد يوم، وانه بات يشعر بالخزي والعار لتذبذب مواقفه وقلة الحيلة والعجز المزمن في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الداهمة. فهو يشعر انه جزء من شريحة زئبقية بلا هوية، معلقة بين الأرض والسماء، يدفعه واقعه الاقتصادي القاهر نحو الانحدار إلى صفوف الطبقات الفقيرة، وتدفعه تطلعاته إلى التكفف، ونظرًا لضآلة موقعه الاجتماعي وتطلعاته وأحلامه، فإنه كان في مستهل حياته يحلم بسيارة صغيرة، وببيت صغير جدًا، وبزوجة صغيرة وطفل صغير ووظيفة صغيرة، وإجازة صغيرة ووجبة صغيرة، ورحلة قصيرة، وبعد ان فتح الله عليه وحصل على الوظيفة الصغيرة، تقطعت أنفاسه وراء الراتب الصغير فلا يلحق به بالرغم من اللهاث اليومي وراء الخبزة الطائرة والزمن الهارب والوقت الصعب والأحوال المتكالبة. وبعد أن حصلت على وظيفة بجهد جهيد ولهاث وتمسح ووقوف عند الأعتاب، وجدت نفسي مجبرًا على اسقاط ثلاثة ارباع احلامي الصغيرة على الرغم من أن وظيفتي ترتبط بكثير من الأشياء التي أرغب فيها، وأحلم بها، ولا أستطيع الحصول على أي منها، مثل العقارات والأسهم والسيارات والصكوك والشيكات والرحلات والمجوهرات والتحف، ولذلك حملت نفسي حملاً على التعود على أن أكون الخاسر الوحيد والدائم، والملوم المستمر، فالزبون على حق، وصاحب العمل على حق، والمدير على حق، والفراش على حق وشركة الاتصالات على حق والكهرباء والبلدية والناس جميعًا على حق، أنا الوحيد خارج دائرة الحقوق، حيث كان عليّ دائمًا أن اصطنع الابتسام رغم السهام، وأن أحسن معاملة الناس، حتى وإن أساءوا معاملتي، وعليّ أن أكون لطيفًا ظريفًا حتى وان كنت تعيسًا مريضًا أو حزينًا غاضبًا، فلا أحد يعبأ بي ولا بمشاعري الصغيرة.. في الوظيفة كان عليّ أتخلى عن جزء من مبادئي الصغيرة المسكينة التي توصف في جميع الكتب والخطب والأقاويل بأنها (مثالية)، فأنا يوميًا أبيع الابتسامات والإيماءات الطيبة والمجاملات السخيفة، ويجب عليّ أن أمارس كبت الامتعاض والغضب، حتى لكأنني أصبحت شخصية بلاستيكية بلا إحساس وبلا انفعالات وبلا مشاعر إنسانية، وجهي أصبح مسطحًا بلا ملامح لا معنى فيه ولا بريق ولا بهجة ولا حزن ولا حتى العبوس.
قلت للصديق: هذه الصورة تختزل حكاية شريحة كاملة من المجتمع تعاني من توزع الأشواق بين واقع صعب يشدها إلى الأرض وتطلع يشق عنان السماء بطموحات تسقطها الاحباطات المتوالية، ولذلك تجد أن أغلب أفراد هذه الشريحة ينشطون في مجالات تعويضية، بحثا عن العزاء. إن مشكلة البرجوازي الصغير جدًا، انه وحتى في ممارساته للصراع ورفعه لشعاراته الأثيرة، فإنه وبسبب ازدواجية حالته الاقتصادية يعيش انفصامًا يتجلى في مواقف متناقضة، وأيديولوجيا متذبذبة، ففي موقف يظهر بثوب عامل متحمس للتحولات الاجتماعية، وفي آخر يجسد سلوك صاحب العمل يرى صورته في مرآة الطبقة المسيطرة، وان مأساته بالتالي انه يشعر بأنه من نسيج غير متجانس لا في الفكر، ولا في العقيدة، ولا في الموقف، يفتقد إلى نهج واضح وإلى رؤية متماسكة، فمرة يتماهى مع الشعائر والطقوس الدينية، وأخرى في الشعارات الطائفية والحزبية او حتى القومية، ومرة ثالثة يعمد إلى الاقتباس من المقولات اليسارية التي يجدها معبرة عن أعمق ما في نفسه وفكره: خليط من العقائد والمصالح والرؤى تتشابك في نسيج غير متجانس، ولذلك لا يعدم أية وسيلة في التعامل مع مختـلف القوى والتنظيمات على مختلف مواقعهم وعقائدهم، يتماهى مع اشكال وصور متناقضة غير متجانسة.
همس
لم أعد أتذكر تلك العيون،
الصباحات نسيت لونها البنفسجي،
والشتاء وحيد.
وزعت الذكرى بالتساوي على الشرفة البحرية،
بين أجـراس الشوق و(قلبي يذهب مع الريح).
كل شتاء يقودني ضباب الحيرة الى بحيرة الضمأ
تشتعل شرفات الذاكرة، وأنتظر استعادة اللحن القديم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها