النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10906 الأحد 17 فبراير 2019 الموافق 12 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

فجر النيل وشمس الأصيل

رابط مختصر
العدد 10086 السبت 19 نوفمبر 2016 الموافق 19 صفر 1438

يعلم الإنسان المصري البسيط أن بينه وبين النيل وحدة مصير مشترك، فهو ابن النيل الشرعي، فبشرته السمراء هي قطعة من طمي النيل منذ الأزل، ولكنه مع هذا يناجي النيل من يسير على ضفّتيه: يا أيها السائر على ضفافي، أيها الغافل عن عظمتي، أيها الشارب من مائي، أيها المنتظر لخيري، ما كنت أصلك اليوم هكذا وديعًا رقراقًا إلا بعد قصة صراع طويل بيني وبين أجدادك من المصريين البسطاء، لقد حاولوا كثيرًا ترويضي.. أنا النهر البكر الناضج بالحياة.
وفي المقابل، وقف هذا الإنسان المصري لآلاف السنين على شاطئ النيل في أماكن مختلفة ليسأل نفسه: «يا تُرى من أين تأتي هذه المياه؟».. من بئر عميقة أم من جبل عالٍ، أم من أمطار غزيرة.. وهل هناك بشر مثله يتمتعون أيضا بخيرات هذا النهر ويعلمون أولادهم وزوجاتهم مدى أهمية الحفاظ على النيل لاستمرار حضاراتهم.. الإجابة جاءت عبر استكشافات فرعونية كثيرة من خلال رحلات سجلتها كتابات محفورة في مقابر الفراعنة.
استمر حلم اكتشاف الشمال للجنوب يداعب خيال المصريين، فالنيل هو حياتهم وهم دائمو التفكير والتطلع لهذا المجهول بالنسبة لهم. ولهذا، اهتم محمد علي والي مصر بالاتجاه جنوبًا وكانت تحدوه آمال عظيمة في اكتشاف أسرار النهر ومن أين يأتي. وأسهمت مهمات وبعثات محمد علي في أن يشعر سكان كل دول النهر من المنبع وحتى المصب في أنهم بحاجة ماسة لتقارب إنساني، وأنهم لابد أن يتجمعوا ويتحدثوا عن هذا النهر وكيف يحمونه ويتقاسمونه لخيرهم جميعًا.
إنه نهر النيل، الذي يجد الإنسان في فجره وغروبه إنه أمام عظمة الخالق في خلقه، وعندما ينظر الإنسان الى لحظات شروق الشمس على ضفافه، تنتابه مشاعر عشق وحب لمياهه الصافية، فشروق الشمس بعد لحظات من فجر يوم جديد، على سطحه تبشر بقدوم نهار جديد، باستمرار الحياة التي هي جزء من هذا النهر الخالد. أما غروب الشمس عن صفحة النيل، فيعني فرصة للعشاق للجوء إليه مهرولين ليبثوا بعضهم كلمات العشق والهوى.
إنه نهر النيل، الذي تتلألأ مياهه مع اختلاف أوقات النهار، لتبدأ باللون الذهبي ثم تتحول الى الفضي، والبعض يراه بلون الطمي، حتى يأتيه بالليل ليتلون بالأضواء الساطعة من على أجنابه في مشهد يشعر الجالس على ضفتيه بأنه يعيش في الخيال. خيال يكسبه مذاقًا خاصًا بكل مدينة وقرية يمر بها النهر. وكما كانت كل مدنية تكتسي بلون مياهه، فقد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بعادات وتقاليد وأساطير المصريين على مر العصور: الفرعونية والبطلمية والرومانية والإسلامية، ولهذا آلهم الشعراء والأدباء والعشاق.
‎من يجلس على ضفاف النيل تتجسّده مشاعر روحانية مما يبعث في قلبه الطمأنينة، سواء جلس صباحًا أم مساءً، وقت الفجر أو الغروب، وقت الظهيرة أو العصر، في يوم صيفي حار أم شتوي دافئ، فلابد أن تتسرب السكينة لقلبه، خاصة عندما تسقط الشمس أشعّتها على مياهه الصافية فتجعل من المياه لونًا ذهبيًا متلألأً. فمياه النهر المترقرقة تسرب الى نفس ضيفه سعادة تجعله كمن يطير في السماء، لتتعانق روحه مع طيور النهر في مشهد لا يتكرر سوى على ضفتي نهر النيل، مشهد كفيل بأن يغسل الإنسان وهو يتابعه همومه وأسقامه، ويعوّضها حبًّا وأملاً، فمياه النهر تجري وهكذا روح الإنسان تجري معها.. هذه المياه العذبة تشعر زائرها بطيبة أهل مصر وجمال أرضها وفتنتها وسحرها، فسحر الأرض يتسرب لكل من يعيش على النهر، ليكتسي وجه المصريين بلون النهر، حتى اشتهروا باللون النيلي نسبة إليه.
‎ولعلي وأنا أكتب عن النهر وسحره وصفائه، استشهد بما قاله غيري ومنهم الدكتور أحمد فنديس في «نهر النيل.. بين الأغاني والأماني»، فهو جمع تقريبًا كل ما قيل عن النهر من أشعار وأغانٍ، حيث انسابت على ضفاف نهر النيل الخالد أعذب الألحان المصاحبة لأرق الكلمات التي شكلت أجمل الأغنيات ومن أشهر ما لحن وغنى موسيقار الأجيال الراحل محمد عبدالوهاب تلك القصيدة الخالدة التي أبدعها الشاعر العظيم الراحل محمود حسن إسماعيل وأعني بها قصيدة «النهر الخالد» عندما قال «واهب الخلد للزمان وساقي الحب والأغاني».. هذا النيل الذي عرف بأنه أشهر «موصل جيد للحضارة» خاصة عندما يتحول إلى أجمل وأطول قيثارة تمتد بطول مصر لتسقي شعبها الفنان أحلى الأنغام، فهو دائمًا مسافر زاده الخيال والسحر والعطر والظلال.
‎حقًا أبدع الدكتور الفنديس في «نهر النيل.. بين الأغاني والأماني»، خاصة عندما كتب يقول وعلى مر الزمان يسافر النيل: من الجنوب إلى الشمال ومن السماء إلى الأرض ومن الأرض الى السماء يحمل في جعبته زاده الجميل المؤلف من السحر والعطر والظلال، ففوق صفحته أودعت أم موسى عليه السلام وليدها الرضيع أمانة في عنقه فحافظ عليه حتى رده الله إليها.. وغير بعيد عن مياهه اجتمع السحرة ليتحدوا سيدنا موسى بسحرهم فغلبهم النبي أجمعين بأمر ربه.. كما أن منظر الفجر أو الغروب عند شاطئيه هو السحر بعينه.. وكثيرًا ما حملت مياهه الطاهرة سفن الفراعنة وهي تحمل البخور والعطور كما أن ماءه عنبر غنى له العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ: «يا بئر سايل بين شطين ياحلو يا اسمر لولا سمارك جوه العين ما كان تنور».
‎يعجبني جدًا قول المصريين إن نهر النيل يحب بلدهم وهم أيضا يحبونه ويرتبطون به أكثر من حبه لأي بلد أو شعب آخر، بل إن النيل هو المدافع عن مصر والمصريين، هذا ما نقله محمود حسن إسماعيل عن هذا النهر الخالد: «أنا النيل مقبرة للغزاة.. أنا الشعب ناري تبيد الطغاة.. أنا الموت في كل شبر إذا عدوك يا مصر لاحت خطاه».. لقد أبدع شاعر مصر في الحديث عن نيلهم العظيم، حيث صوره خالدة أبد الدهر فيما تباد الجبال والأراضي من حوله، فالنيل هو التاريخ والجغرافيا.
وعن الجغرافيا والمكان والقوة، نستعيد أبيات محمود حسن إسماعيل في رائعته «النهر الخالد».. فهو يخاطب المصريين وكل محبي النيل: «شابت على أرضه الليالي وضيعت عمرها الجبال»، فالشاعر يلمس حقائق جغرافية وحضارية عديدة، فالليالي تشيب على ضفاف النيل وهو أبدًا فتى يافع في عنفوان شبابه.. ليست الليالي فقط، ولكننا نرى أيضا الجبال يضيع عمرها، هذا الكلام الرائع يرتبط بحقيقة جغرافية، فذرات تربة النيل الخصبة ما هي إلا نتائج تفتيت مياه الأمطار لصخور هضاب المنابع، تلك الصخور النارية في هضبة أثيوبيا التي تفتتها قطرات المطر لترسبها سهلاً فياضًا خصبًا على ضفافه الكريمة.
‎أما عن الحياة، فيصوره محمود حسن إسماعيل بقوله: «ولم يزل يسكن الديار ويسكب النور للحيارى» ويقصد هنا أن النهر الخالد وهو يجري في ديارنا فإنه ينير لنا حياتنا، هذه هي حقيقة ومجاز في نفس الوقت.. لماذا؟.. فقط ولدت على ضفافه أول حضارة في العالم أنارت الطريق لكل الحائرين بظهور أول الموحدين قبل الأديان السماوية وهو أخناتون.. وحديثًا لأنه ينير الدنيا بالكهرباء المولدة من مياهه بعد اندفاعها من السد العالي.
‎لم يكتفِ الشاعر المصري بحديثه الحقيقي والمجازي كما سبق وأسلفنا عن نهر النيل، فيقترب وهو يجلس على شاطئه أكثر وأكثر من النهر ليسمع ما بينه وبين الأشجار والأزهار من حوار وينقله لنا في رائعته الشعرية: «مسافر زاده الخيال.. والسحر والعطر والظلال /‏‏ ظمآن والكأس في يديه.. والحب والفن والجمال /‏‏ سمعت في شطك الجميل /‏‏ ما قالت الريح للنخيل /‏‏ يسبح الطير أم يغني /‏‏ ويسكب الحب للخليل /‏‏ وأغصن تلك أم صبايا /‏‏ شربن من خمرة الأصيل».. فالريح تستريح من طول سفرها بالاستلقاء على أوراق النخيل العالي، حتى تبوح بهمومها، فينصحها النخيل بالارتماء في أحضان النيل وبين أمواجه.. ثم يبدع الشاعر بتشبيهه أغصن الأشجار التي تميلها الريح ناحية المياه بصبايا يشربن من خمرة الأصيل، وهو المعنى ذاته الذي رددته «أم كلثوم»، «في أغنية شمس الأصيل عندما غنت: «شمس الأصيل دهبت خوص النخيل يا نيل تحفة ومتصورة في صحبتك يا جميل».. لقد دفعنا الربط بين كلمات «النهرالخالد» و«شمس الأصيل» الى الانتقال بسرعة الى ما كتبه بيرم التونسي وأنشدته أم كلثوم وهو ما يسمعه المصريون حتى يومنا هذا، حيث نادرًا ما يسمعون «النهر الخالد» إلا في المناسبات.
وأنا أيضا أميل مع المصريين، لم ولن أملّ من سماع «شمس الأصيل»، فأنا أراه فجر كل يوم أو هكذا أتخيل نفسي واقفًا أمامه وواقعًا في حبه، فما أبدع من تكرار كلمات بيرم التونسي: شمس الأصيل ذهبت خوص النخيل يا نيل /‏‏ تحفة ومتصورة في صفحتك يا جميل /‏‏ والناي على الشط غنى والقدود بتميل /‏‏ على هبوب الهواء لما يمر عليل
يا نيل أنا واللي احبه نشبهك بصفاك /‏‏ لانت ورقت قلوبنا لما رق هواك /‏‏ وصفونا في المحبة هو هو صفاك /‏‏ ما لناش لا احنا ولا انت في الحلاوة مثيل
أنا وحبيبي يا نيل نلنا أمانينا /‏‏ مطرح ما يرسي الهوى ترسي مراسينا /‏‏ والليل إذا طال وزاد تقصر ليالينا /‏‏ واللي ضناه الهوى باكي وليله طويل
انا حبيبي يا نيل غايبين عن الوجدان /‏‏ يطلع علينا القمر ويغيب كأنه ما كان /‏‏ بايتين حوالينا نسمع ضحكة الكروان /‏‏ على سواقي بتنعي ع اللي حظه قليل يا نيل
وإذا كنا تحدثنا عن النيل، فيجب الإشارة الي رائعة فريد الأطرش ومأمون الشناوي في «الربيع»..
كان النسيم غنوة والنيل يغنيها وميته الحلوة تفضل تعيد فيها وموجه الهادي كان عوده ولون البدر أوتارهيناغي الورد وخدوده يناجي الليل وأسرارهوأنغامه بتسكرنا أنا وهوأنا وهو مافيش غيرنا.. مافيش غيرنا. فالنيل تحول الى مغنٍ ويتغنى بميته الحلوة، ليس هذا فقط، فموج النيل تحول الى آلة العود الموسيقية.
يالله على صنع الخالق جل في علاه في هذا النهر الذي قال عنه الحبيب المصطفي في حديث البخاري ومسلم عن الإسراء والمعراج قوله صلى الله عليه وسلم «ثم رُفِعْتُ إلى سدرةِ المُنتهى، فإذا نَبقُها مثل قلالِ هَجر، وإذا ورقُها مثل آذان الفِيلة، قال: هذه سِدرةُ المُنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات»، وهذا ما كنا نقصده بالدين والتاريخ عندما تحدثنا عن الجغرافيا والتاريخ.
إنه نهر النيل، ففيه جلسات الأحبة وركنهم الظليل على شاطئيه، وبمائه يرتوي كل ظمآن، من ماء النهر، الذي وصفه رسولنا الكريم بأنه النهر الظاهر، وربما يفسر هذا مقولة المصريين «من يشرب من مائه يعود له مجددًا» فماؤه تنزل من السماء، ولم لا، فمياه منابعه تتساقط من الجنان العلى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها