النسخة الورقية
العدد 11005 الاثنين 27 مايو 2019 الموافق 22 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

أطفال بلا موسيقى.. كشعب بلا روح

رابط مختصر
العدد 10084 الخميس 17 نوفمبر 2016 الموافق 17 صفر 1438

«تغدو الموسيقى تعبيرًا عن جميع المشاعر والعواطف الخاصة، عن جميع تلاوين المرح والفرح وبشاشة المزاج والنزوة وعن نشوة الروح وظفرها، وعن جميع درجات القلق والضنك والحزن والشكوى والالم واليأس والكآبة، واخيرا عن التهجد والتعبد والحب التي تغدو مواضيع للتعبير الموسيقي» هيغل /‏ فن الموسيقى.
نتيجة المشاغل المهمة الأخرى نؤجل كثيرًا بعض الكتابات والردود والعليقات والتحليل إزاء ما يدور من قضايا وأحداث، بعضها محلية وبعضها خارجية، ولكن ما لم يكن تخيله لمجتمع كالبحرين هو ان تعود عجلة التقدم للوراء لما يقرب القرن من عمر التجهيل وغياب التعليم.
لقد أفجعنى وأذهلني كما أذهل غيري حينما طلبت مجموعات نيابية في مجلس النواب وهي تمثل تيارات دينية متشددة بالدرجة الاولى وتمثل «الشعب!!» حول طلب جعل مادة الموسيقى في مناهج التعليم الرسمي (الحكومي) اختيارية، هذا الطلب حظي بالأكثرية في مجلس النواب ليعبر لنا ليس عن حالة الكارثية الثقافية وحسب بل ولحالة التقهقر المجتمعي نحو التجهيل لمستقبل اجيالنا القادمة لعلم ليس هو مجرد «تسلية وطرب!» ودفوف وعبث في حظوة السلطان وزمن المماليك، فليس هكذا تفهم الموسيقى وسائر الفنون الجميلة عن كونها مرتبطة «بعلم الجمال» الهام في حياة الشعوب فهو مادتها للخير والسمو نحو الارقى والتقدم كلما تطورت تلك الانواع من الموسيقى.
لم ارَ الهجوم على «مادة الموسيقى» في المناهج الحكومية مجرد حماسة او طلبًا عابرًا، وإنما هي فلسفة جوهرية ومبدئية من مبادئ تلك الحركات والاتجاهات الدينية، ولم تكن المادة الموسيقية وحدها هي المستهدفة وانما الآلات الموسيقية «كرجس من عمل الشيطان» ونحن لن نستطيع ان نصطاد الشيطان فعلينا ان نخنق حاسة الذوق والموسيقى عند اطفالنا وهم ثروتنا القادمة، وان نزع اي مجتمع عن تذوقه الموسيقى والحسي (والحسي ليس الجنس كما يفهمون في العادة !!) يعني نزع روحه من جسده، فما بالنا نحن نتعقب كل مناسبة واخرى لكي نحاصر ظاهرة التقدم الاجتماعي عبر تلك الاصوات المعارضة.
نعترف أن في لعبة الديمقراطية قد ينجح تيار في تمرير تشريعاته ومقترحاته ويتعزز صوت الأغلبية ضد الأقلية حتى على أمر باطل يتناقض مع حقيقة التاريخ والتحولات المجتمعية الأرحب، مثل تلك التجارب الديمقراطية المشوهة لا تعكس في الواقع تقدمنا نحو الأفضل بقدر ما تترجم تراجعنا وتقهقر ثقافتنا نحو الظلامية.
أصحاب الطلب والاقتراح لا يعبثون في الظلام وإنما يمارسون الظلام في وضح النهار ضد نور الموسيقى والأجيال القادمة، وهم أنفسهم سنويًا يتحركون ضد وزارة الثقافة وبانتظام ممنهج كلما قامت الوزارة بأنشطة تنويرية مستخدمة حجة النفقات المالية وغيرها من حجج متكررة واسطوانة مشروخة.
يأتي هذا الطلب الغريب البشع المعادي للثقافة في بلد سيحتفل بعد ثلاث سنوات بمرور مائة عام على بدء التعليم الرسمي في البحرين، بلد كان ولازال يفتخر باسبقيته وريادته في مجالات شتى، فيما اليوم تهاجم قلعة التعليم في معقلها ومناهجها تحت ذريعة ذكية هي «الاختيار للدروس» حيث سيشكل الضغط الخارجي للتيارات الدينية على جعل اتلك الدروس محصورة ومسجونة بين جدران الفصول المختنقة، إذ سيلعب طابور المدرسين والمدرسات المتشدد بحظ الطلبة بترك تلك الدروس الاختيارية خاصة عندما يجدها الصغار بكسلهم انها مادة خارج المقرر ولا تخضع للامتحان او المحاسبة والاهتمام.
اللعبة تبدأ بخطوة أولى خفية بمسحة الاختيار لكي يتم قرض ما تبقى منه حتى تلغى نهائيًا وتصبح مجرد هواية عابرة خارج أسوار المدارس.
أتذكر في أواخر السبعينات حين احتفلت النمسا بالقضاء نهائيًا على «الأمية الموسيقية» وبقدرة ذلك الشعب على قراءة النوتة الموسيقية، أما عندنا فيتم نزع روح الطفل من أجمل تربة كونية هي الموسيقى. وبمثل ما بدأت كلامي بالفيلسوف الألماني هيجل إنهي مقالتي بعبارته ايضا حين قال «بوسعنا ان نقول الشيء عينه عن الأثر الذي تتركه الموسيقى في النفس. فهي تخاطب الداخلية الذاتية الأعمق والأبعد غورًا، فهي الفن الذي تتوسله النفس للتأثير على النفوس». وصدق مجتمعنا بتراثه العميق وبلغة الانسان البحريني الذي قال ذات يوم «ايلي ما يطرب حيوان». وكان لها دلالات ومغزى عميق يومذاك. فكيف تريدون تشكيل أطفالنا مستقبلاً؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها