النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

الصحافة الثقافية باعتبارها كائنًا هلاميًا..

رابط مختصر
العدد 10081 الإثنين 14 نوفمبر 2016 الموافق 14 صفر 1438

من المفارقات الغريبة أن الندوة التي نظمتها أسرة الادباء والكتاب، وحضرها عدد مهم من المثقفين، وخصصت لمناقشة موضوع: «الصحافة الثقافية في رواق السلطة الرابعة»، قد غاب عنها محررو الصفحات الثقافية تحديدا، وكان غيابهم - بغض النظر عن أسبابه واعذاره -لافتًا، بل ويقدم أحد أهم الأجوبة حول مكانة الثقافة في الصحافة.
فإذا كانت الثقافة غير مهمة عند المشتغلين بها والمنشغلين بهمومها وقضاياها، فلا لوم على الجمهور العادي الذي عادة ما تكون الثقافة هي آخر اهتماماته وهمومه وسط طاحونة الشيء المعتاد.
إن هذا الغياب هو أحد أهم المؤشرات الدالة على ان الثقافة (غير مهمة) حتى عند الذين تعتبر مادة عملهم الرئيسية منها.
تقودني هذه المفارقة - التي ليست الوحيدة ولا الأولى -الى السؤال المهم الذي طرحه علي أحد الأصدقاء خلال مشاركتي في الندوة التي نظمتها الأسرة: هل الصحافة سلطة؟ وهل الثقافة سلطة؟ هل الصفحات الثقافية تصنع ثقافة؟ وهل للصحافة عيون كي ترى بها الثقافة؟
ولذلك أجدني معنيا بالحديث في سياق محاولة الإجابة عن مثل هذه الأسئلة التي تحمل في طياتها أجوبة مؤلمة..
أولاً- ما تزال الصفحات الثقافية عندنا جزءا من الظاهرة الثقافية، يعوزها الكثير، لأن الكائن الثقافي، في هذه الأمة ما يزال منبوذًا، ولا ثقة فيه لأنه في الغالب يبحث عن الحقيقة، ولأن الأغلبية الساحقة في هذه الامة تخاف الوقوف أمام مرآة الحقيقة، لذلك يتفق الجميع على خنق هذا الكائن، أو تدجينه أو تقليص حضوره في أحسن الأحوال.
ثانيًا: أن المساحة الثقافية هي الأضيق والأقل تواترًا في صفحات الصحف، حيث إن أغلب هذه الصفحات تبدو اليوم محدودة الأهمية مقارنة بما ينبغي أن نقوم به من دور في الساحة الثقافية، فهي منزوعة الوظيفة تعيش في حالة من الهلامية، بل هي أقرب إلى جسد بلا قوام. تظل دائمًا مرهونة بالظروف، وبما تسمح به سلطة الإعلان والموازنات... ولذلك فإن التعدي عليها أمر عادي ومتواتر ومتكرر.
ثالثًا- قبل أن تصبح الثقافة ضرورة حياتية وحيوية فلن تكون لها أي علاقة عضوية بالحياة الثقافية، ولن تنمو لها عظام، ولن تتحول إلى مشروع وطني للثقافة. وهذا شأن أغلب الصفحات الثقافية في أغلب أرجاء الوطن العربي وليس عندنا فقط، فهذه الصفحات إلى حد الآن هي بلا رؤية وبلا استراتيجية، تكتفي بالملاحقة والمتابعة الخبرية الانتقائية، بحسب أمزجة المشرفين عليها والخطوط الحمراء التي ترسمها الصحف، بل وحتى امزجتها ومواقفها من بعض المبدعين وأنواع من الابداع.
رابعًا- ولكن قد يقول البعض إن الصفحات موجودة والانتاج الإبداعي ما يزال ينشر، والآراء والعواميد، وبعض الدراسات والمراجعات، ولكن نشر عمود أو قصة أو قصيدة أو مقالة لا يصنع صفحات ثقافية، ولا يصنع ثقافة بالتالي... ومثلما يقول الدكتور علوي الهاشمي: «إن تغطية المساحة هو أشبه ما يكون بورقة التوت التي تغطي عورة الواقع العربي».!.
- هذه الملامح لابد أن تتصل بقانون الفعل الثقافي، لابد من وجهة نظري أن تتحول الصفحات الثقافية إلى شريحة من الواقع الثقافي، يقودها ويكتبها وينشطها شعراء وقاصون ونقاد، ولابد أن يكون في كل صحيفة قسم ثقافي ينخرط فيه عدد من المتحاورين والمثقفين، المبدعين من مختلف الأجيال، ضمن خلية فعل ثقافي متكامل ومخطط له، فتصبح الصفحات خلية من الواقع الثقافي الذي ينتج الصفحة الثقافية... أما نشر الاخبار والتقارير عن الفعاليات الثقافية - على أهميته ودوره التعريفي بالفعل الثقافي - فهو لا يكفي ولا يؤثر في حركة الواقع، لأن المسألة وقتها لا تتصل بالفعل الثقافي الحي بقدر ما تتصل بقشور الثقافة المتطايرة التي لا تصنع ثقافة.
خامسًا- إن العلاقة بين الإبداع والصفحات الثقافية لابد أن تكون علاقة جدلية، فالتجليات الإعلامية تعكس الواقع الثقافي، والواقع الثقافي ليس إنتاج ذاته فقط، بل هو انتاج البنية الاجتماعية السياسية والتنموية، عندئذ يأتي دور الصحافة الثقافية كحالة من تجليات هذا المفعل المؤسس، والمشتغل بالصحافة الثقافية، إذا كان منغرسا في الفعل الثقافي، فإنه لو تتاح له الفرصة الكافية لأعطى الكثير وأفاد بالكثير. ولاستطلاع أن يحول هذه الصفحات إلى مركز اشعاع وتأثير حي وعضوي في الحياة العامة.
سادسًا- المشكلة لا تتجسد في الثقافة فحسب، بل في المثقف نفسه، عندما تتنازعه قوتا الثقافة والمال، فإن النتيجة غالبًا ما تكون متوقعة سلفًا، وفي مدى أصالته واقتناعه بدوره الثقافي.
سابعًا- ما الحل وما المطلوب إذن؟
إذا ما أريد للثقافة أن تكون مشروعًا، فإن الصفحات الثقافية يمكن أن تكون جزءًا من هذا المشروع، بحيث تتحول الصفحات الثقافية إلى جزء من رؤية ثقافية وفكرية وطنية أو قومية تخدم أول ما تخدم الوطن والامة... أما والثقافية مهمشة في واقعنا العربي، فستظل الصفحات الثقافية هي الآخر مهمشة ومرتبكة ومبعثر لا تنتظمها رؤية او فكر ولا يقودها مشروع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها