النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

سعيكم مشكور.. ولكن!!

رابط مختصر
العدد 10071 الجمعة 4 نوفمبر 2016 الموافق 4 صفر 1438

فليسمح لنا السادة النواب الأكارم بعد مضي جلستين أو ثلاث من بداية انطلاق أعمال دور الانعقاد الثالث من الفصل التشريعي الرابع في 16 أكتوبر الماضي، أن نسلط الضوء على قضيتين مثارتين نرى أنهما كانتا مدارًا لحديث متخم بالإحباط بين المواطنين والمقيمين أيضا، وقد أثارت بينهم كثيرًا من النقاشات، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حيوية أفراد المجتمع البحريني، وهذا معطى ينبغي على السادة النواب تقديره، لأنه يقدم مؤشرًا واضحًا على دقة متابعة المواطن البحريني للشأن العام ولأداء من ائتمنهم على صوته عبر عملية انتخابية شفافة ونزيهة.

 

وهو ما يعني أن في هذه المتابعة ما يرفد هؤلاء النواب برؤى تسهم في تحديد مواقفهم من هذا الموضوع أو ذاك. فمثلما أشاعت نقاشات المواطنين بأنكم، معشر النواب، لستم أوصياء على أخلاق منتخبيكم ولا سدنة لمعتقداتهم، فإن هؤلاء الناخبين عندما يبدون رأيًا فيما تطرحون تحت قبة البرلمان من قضايا ومقترحات، فإنهم لا ينطلقون من أنهم أعلم منكم في هذه النقطة أو تلك. فشيء من التواضع والمرونة والتفهم مطلوب بين بني البشر، كي تستقيم أحوالهم.


 أولى هذه القضايا هي مسعى مجلسكم الموقر لمنع تدريس الموسيقى في مدارس وزارة التربية والتعليم، واعتبار الموسيقى مفسدة. وعلى الرغم من أن طرح مثل هذا الموضوع أو ما شابهه من مواضيع تتعلق بالفن والموسيقى والموقف منهما مثار جدل في القرون الخوالي، ومنفذ من منافذ الغلو والتطرف والسطو على أذواق الناس بحجج لم تثبت قطعيتها، إلا أن الخوض في هذا الشأن الآن وهنا، بعد أن قطعنا في الألفية الثانية شوطًا، قد أصبح مندرجًا ضمن خانة الأحاديث المملة، ذلك أن طرح مثل هذا الموضوع ليس جديدًا، ففي كل مجلس كانت هناك أصوات تكون هامسة مرة وصاخبة أطورًا آخر، تدفع به على أنه موضوع ينبغي أن ينال أولوية في النقاش على أساس أن الموسيقى مفسدة ينبغي وقف تدريسها في مدارس وزارة التربية والتعليم.

 

ودعونا نستحضر معًا نفحات من هذه «المفسدة» على مستوى البحرين التي نفخر بأنها أنتجت أجيالاً من المبدعين الذين طربنا لهم وما زلنا نطرب، ونسأل هنا هل، بربكم، يعد الفن الذي أداه المرحوم سالم العلان بصوته المعبر عن هول معاناة الآباء والأجداد مفسدة؟ وذات السؤال ينطبق على كل من ضاحي بن وليد ومحمد فارس، وخالد الشيخ وغيرهم كثير من أبناء هذه الأرض المعطاء التي منحت الفن العربي والعالمي موسيقى وأدبًا ورسمًا ومسرحًا نباهي به الأمم.


 تاريخ البحرين الحضاري والثقافي يا سادتي النواب ثري جدًا ومصدر آخر من مصادر اعتزازنا بهويتنا البحرينية وسياسة حكومتنا التي جعلت الدبلوماسية الثقافية سفيرًا آخر من سفراء البحرين إلى أقطار الدنيا شرقًا وغربًا، شمالاً وجنوبًا. ودعنا من البحرين، ولو إلى حين، لنذكر بأن هناك روائع من الفن العالمي، مثل موسيقى موزارت وبتهوفن وتشايكوفسكي، فهل كانت جميعها مفسدة، ولا هم لمن كدوا في وضعها ليمنحوا البشرية لحظات من صفاء النفس والذهن إلا إفساد أخلاق الناس، لتؤسس موسيقاهم لـ «خراب» البلدان و«تدمير» المجتمعات وزوال نعمها!! فهل ما درسناه في التاريخ عن أطوار النهضة الأوروبية التي انطلقت شرارتها الأولى في الفن مكذوب فيه علينا؟! في اعتقادي أن المفسدة الحقيقية هي منحى التفكير ذاته عندما ينحرف ويعد الفن عامة والموسيقى خاصة مفسدة، ذلك أن في هذا المنحى من التفكير خروجا صريحا على طبيعة تفكير البشر السوي. فكل الدراسات برهنت على أن الفنون بكل فروعها تهذب النفس البشرية وتحسن من سلوكاتها، وهذا ما نحتاجه اليوم في عالمنا هذا. 


 ألا يدرك النواب الأكارم أن مواقف الفقهاء فيما يخص الموسيقى هي مواقف خلافية، أي لم يكن قط الموقف تجاهها موحدًا، وإذا كان هناك بعض من النواب من المحسوبين على الفقهاء الذين يميلون إلى المنع، فما ذنب فئة عريضة من المجتمع محسوبة على الفقهاء الذين نادوا بأن الأصل في الأشياء الإباحة؟ أين جزئية التسامح والوسطية والاعتدال التي يلهج بها البعض ليل نهار؟! ثم ألم يستشف النواب الأكارم أن وزارة التربية والتعليم كانت في كامل لياقتها المدنية عندما جعلت مقرر الموسيقى اختياريًا وليس إجباريًا؟ بمعنى أن من أراد دراسة هذا المقرر فله ما أراد، ومن لم يرد فله أيضا ما يريد. منع تدريس الموسيقى بصفته فرعًا من الفنون له تبعاته التي تفرض على المجتمع البحريني الالتفات القسري إلى الوراء، إلى أعماق عصور الظلمات والانحطاط الفكري، وتجعله مجتمعًا منغلقًا يضاهي بعض المجتمعات التي تصدر الإرهاب مثل إيران، والمليشيات الحاكمة في العراق. فهل هذا ما نتمناه لمجتمعنا البحريني الذي كان على الدوام مختلفًا في نهوجه الفكرية ومؤتلفًا في ثقافته الإنسانية؟ 


 بعد هذا التناول لموضوع منع تدريس الموسيقى بمدارس وزارة التربية والتعليم، وهو موضوع في غاية الأهمية بطبيعة الحال، فإني أستسمح السادة النواب العذر لأخصص باقي مساحة المقال للقضية الثانية وهي زيادة رواتب الموظفين، إذ أن طرحها جاء، في اعتقادي، لمداعبة خيال المواطن وفتح آفاق جديدة أمامه لنسج مزيد من الآمال والأمنيات ليس إلا، ليعود بعد برهة ويصطدم بمرارة عدم إمكانية ما وعد به، وأقصد هنا زيادة الرواتب بنسبة 20 في المئة، التي تحدث عنها النواب الأكارم، والتي أنا أجزم بأن ما نسبته 100 في المئة من أفراد المجتمع يقفون مع أصحاب السعادة النواب في سعيهم المشكور باقتراح هذه الزيادة في الرواتب. لكن، من جانب آخر، أجزم أيضا بأن جزءًا كبيرًا من هذه النسبة من عدد المواطنين لا تجهل المنعطف المالي الاستثنائي الذي نأمل أن تجتازه الدولة بأقل ما يمكن من الآثار السلبية التي قد تلحق بالأجيال القادمة.


 نسبة الـ 20 في المئة هذه قديمة الطرح، وقديمة التناول، وقديم هي اليوم في مقدار النسبة المقترحة حينذاك، فبعض فئات المجتمع تستحق هذه النسبة مكررة مرتين، وحتى ثلاث مرات لبعضها الآخر. ولكن هل هذا من متاحات الميزانية القادمة؟ وهل بها متسع للحديث عن زيادات عامة في ظل كابوس أسعار النفط المخيم. أقدر أن نسبة كبيرة من المواطنين من خارج دائرة القرار السياسي يستشعرون ثقل المسؤولية الملقاة على راسمي الخطوط العامة لميزانية الدولة بسبب الوضع المالي الاستثنائي المترتب على انخفاض سعر النفط، السلعة المعول عليها في ضخ الأموال لهذه الميزانية، فهل قدر السادة النواب ذلك؟


 في اعتقادي أن ترويج النائب لنفسه عملية مشروعة دائمًا إذا ما اقترنت بصدق العمل على تحقيق مزيد من المكتسبات للوطن والمواطنين، ولا ينفع النائب أن يأتي بمقترحات يروم من خلالها رضا المسؤولين في الدولة على حساب المواطنين يهيئ لنفسه من خلالها فرصة مستقبلية بديلة بعد أن يبتعد عنه الناخبون أمام صناديق الانتخابات في المرة القادمة. فجل ما يرجوه المواطن اليوم ويأمله هو وقف فرض مزيد من الضرائب عليه، خصوصًا وإن المواطنين حديثو معرفة بهذا النمط من الاستقطاعات في الرواتب وذلك بفضل السياسات التي تتخذها الحكومات الرشيدة المتعاقبة التي يترأسها صاحب السمو الأمير خليفة بن سلمان رئيس الوزراء الموقر، والعمل على إيجاد بدائل أخرى ترفد ميزانية الدولة بالمال، وابتكار سبل جديدة توفر فرص عمل أكثر للحد من البطالة، والتفكير معًا في منوال تنموي يضمن للبحرين استدامة ثرواته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها