النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

«فهرنهايت» 451 مجددًا حول «تجريم حفلات الثقافة وتحريم تدريس الموسيقى»!

رابط مختصر
العدد 10067 الإثنين 31 أكتوبر 2016 الموافق 30 محرم 1438

‬لم أفاجأ شخصيًا من الخلاصة الفذة التي أبرزتها الصحف المحلية الأسبوع الماضي على صدر صفحاتها الأولى، حول ما تم تداوله في مجلس النواب الموقر، بشأن «تجريم الحفلات الموسيقية لهيئة الثقافة وتحريم تدريس التربية الموسيقية في مدارس التربية» كما لم تفاجئني تلك العبارات والأوصاف التي أطلقت على الموسيقى، من نوع انها «مفسدة ودمار ومزيلة للنعم»، وذلك لأن هذا الكلام يعبر عن وجهة نظر موجودة، ليس بين بعض اعضاء المجلس فحسب، بل عند قطاع من الناس، ولكن المفاجئ حقيقية ان يطرح هذا الموضوع بهذه الصيغة الفجة في أولى جلسات البرمان، وكأنه أولوية الأولويات.
إن الموقف من الموسيقى والغناء على الصعيد الفقهي يشكل إحدى المسائل الخلافية، والاجتهادات المختلفة حوله معروفة منذ قرون، ولكن واقع الحال ان الموسيقى ومنذ القرون الأولى كانت أحد اهم العناصر المكونة للثقافة والحضارة العربية - الإسلامية، بمختلف اتجاهاتها في مختلف مراحلها، بل وأصبحت من بين العلوم والفنون الرفيعة التي تدرس على نطاق واسع، وتحتفي بها الدول والمجتمعات عبر القرون، ولكن هذا الموقف المحافظ من الموضوع استوعبته الحضارة في مختلف مراحلها، ولكن لم يكن له كبير الأثر في الواقع.
المشكلة ليست هنا، ولكن فيما يكرسه هذا الموقف المحافظ (وهو مشروع من الوجهة الدينية والفكرية والحق في حرية الرأي) من محاولة واضحة لفرضه على المجتمع والدولة معًا، وهو مخيف بكل المعايير، لأنه - في حال فرضه - سوف يعني في محصلته النهائية، تحريم المسرح، لأنه يقوم على التمثيل والتشبيه والاختلاط، وتحريم التشكيل والتصوير لذات الأسباب، وتحريم بعض أنواع او أغراض الشعر لأنه يقوم الغزل والمبالغة (والكذب) وقد قال العرب قديمًا: «أعذب الشعر أكذبه»، وتحريم الرقص والجزء الأكبر من الرياضات والفلسفة، هذا فضلاً عن تحريم السينما والدراما، لأسباب اقوى من أسباب تحريم الموسيقى.. (من وجهة نظرهم طبعًا).
نحن هنا لا نناقش حق البعض في اتخاذ هذا الموقف المحافظ من الموسيقى، وانما في إرادة الفرض والتعميم، فإذا كانت وزارة التربية، وهي الجهة المعنية بتدريس التربية الموسيقية كجزء من تربية الذوق والحس الإنساني والجمالي، قد أكدت بأن تدريسها اختياري فقط، وليس مفروضًا على من لا يرغب في دراستها، فإن التصريحات المنشورة والمنسوبة الى عدد من النواب الافاضل، لا تتحلى بذات القدر من الموقف المتوازن والمعتدل من الموضوع، مع اننا نتحدث يوميًا عن الوسطية والاعتدال.
إذن إرادة الفرض والتجريم والتحريم هي التي تخيف ويجب ان تخيف، لأنها تؤول الى التكفير المفضي الى التطرف المهلك حقيقة لا مجازًا، اما الموسيقى فإنها لم تهلك اممًا وشعوبًا، وانما الذي اهلكها هو التطرف والتكفير هو أحد أهم أسباب الفتن والصراع والاقتتال، فالطفل الذي يدرس الموسيقى، في الغالب الأعم، لا يمكن ان يكون متطرفًا او إرهابيًا، ولا يمكن ان نراه ينظم الى «داعش» على سبيل المثال، كذلك الذين يحضرون حفلات هيئة الثقافة الفنية الموسيقية والمسرحية والمعارض التشكيلية ويتذوقون الفنون، لا يمكن ان نجد من بينهم في الغالب الأعم من يحمل السلاح لقتال الدولة او ممارسة الإرهاب او الانخراط في الجماعات الإرهابية، علمًا بأنه لا وزارة التربية تجبر أحدًا على دراسة الموسيقى، ولا هيئة الثقافة تجبر الناس على حضور العروض الموسيقية الراقية التي يمولها القطاع الخاص في غالبيتها العظمى.
هذه إذن وجهة نظر أخرى يجب ان يستمع اليها أصحاب الطرح، ولكني لا ادري ‮ ‬لماذا أتذكر – عند مناقشة مثل هذه الموضوعات – فيلم‮ ‬«فهرنهايت 451» ‬للمخرج الفرنسي‮ ‬فرانسو تريفو، ‮عندما تشن الحملات ضد الإبداع الثقافي‮ ‬بجميع أنواعه، ‮سواء أكان الضحية كتابًا أو فيلمًا أو أغنية أو لوحة تشكيلية أو عرضًا موسيقيًا‮. ‬‬أتذكر هذا الفيلم كلما ارتفعت الأصوات والدعوات إلى حرق كتاب وإعدام صاحبه، ‮ ‬والتفريق بينه وبين زوجته، ‮ ‬وإشعال الحرائق في‮ ‬الشارع ضد الإبداع ‬بجميع أشكاله‮.‬ أتذكر هذا الفيلم الذي‮ ‬تظهر مشاهده أولئك الرجال مدججين بالسلاح في‮ ‬مدينة المستقبل وهم‮ ‬يجوسون خلال المنازل والبيوت بحثا‮ ‬عن الكتب‮ والاسطوانات، ‬لحرقها لأنها تشكل (مفسدة ومهلكة) وخطرً‮ا، ‬يواجه الحياة والقيم والمجتمع، فـ ‬«الكتب تجعل الناس‮ ‬يتصارعون ويتحولون إلى أعداء، ‮‬ولذلك‮ ‬يجب حرقها لأننا ننشد الحب والسلام والوئام والكتب نفايات تصيب الناس بالأمراض وتجعلهم أعداء لمجتمعهم‮».‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‬أتذكر جيدًا‮ ‬ذلك المشهد المأساوي، ‮‬وأنا أشاهد هؤلاء الذين لم‮ ‬يقرأوا رواية أو كتابًا‮ ‬أو ديوان شعر، ولم يستمعوا الى سمفونية او أغنية تتغنى بالحب والجمال والأمل، ‮‬ومع ذلك‮ ‬يحرضون على الثقافة والفنون والابداع لأنه ابتداع، ‬بل‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينتقل الأمر إلى ما هو أخطر، ‮مثل تحريض الناس لمجرد أنهم سمعوا بأن هذا الكتاب‮ ‬يتضمن مواقف بذيئة بالمعايير الأخلاقية، ‮ ‬وان هذا العرض المسرحي‮ ‬يتضمن مشاهد منافية للعادات والتقاليد، وان هذا العرض الموسيقي هو نوع من الفجور مفسدة للحرث والنسل!!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في‮ ‬القرون الوسطى أحرقت الكنيسة آلاف الكتب العلمية لاعتبارات دينية، ‮وفي‮ ‬الأندلس أحرق حاكم‮‬ «فيشل»‮ ‬كتب الفيلسوف ابن رشد، لأنه أراد أن‮ ‬يتقرب إلى الجماهير وإلى رجال الدين في‮ ‬مواجهة الهزائم العسكرية المتلاحقة، ‮ ‬وفي‮ ‬فرنسا قبل الثورة كان القضاة‮ ‬يصدرون الأحكام بحرق كتب فولتير ومونتسكيو وجون جاك روسو وطرد الشعراء من المدينة لأنهم كاذبون، ‮ ‬تحت عنوان‮ «‬لا مجال إلا لتمجيد الفضيلة‮».‬ ‬وفي‮ ‬بداية القرن السادس عشر أمر البابا بحرق كتب مارتن لوثر الإصلاحية، ‮‬وفي‮ ‬النصف الأول من القرن العشرين أحرق هتلر عشرات الآلاف من الكتب، بحضور وزير ثقافته آنذاك، ‮‬والذي‮ ‬كان‮ ‬يقود وزارته بمسدس، ‮وتحت نفس الشعارات التي‮ ‬تساق في‮ ‬كل مرة‮ ‬يراد ترويض الثقافة وتكميم المثقفين‮ والتحكم في الأذواق وحمل الناس على السير على نسق واحد في الحياة، وربما حتى التفتيش في القلوب والعقول والنوايا.‬‬‬‬‬‬‬‬‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في الخلاصة، إذا ما قبلنا بالمعايير التي‮ ‬حوكمت بها الاعمال الأدبية والفلسفية والفنية، فسوف تحل بنا كارثة حقيقية، لأننا بدأنا بالفعل نستمع إلى نفس تلك الأصوات التي تنادي‮ بإعدام نصف الكتب العربية القديمة والحديثة والمعاصرة وتحريم الموسيقى والفنون التشكيلية وجميع اشكال الابداع في النهاية.‬‬

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها