النسخة الورقية
العدد 11028 الأربعاء 19 يونيو 2019 الموافق 16 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

مخاطر تابوهات العمل السياسي

رابط مختصر
العدد 10066 الأحد 30 أكتوبر 2016 الموافق 29 محرم 1438

كما تجمع مصادر الحديث عن «التابو» (Taboo)، وجمعها «تابوهات»، فإن أصل الكلمة «بولينيزية تطلق على المحظور في نظر المجتمع، أي ما تعتبره أعراف المجتمع (أو السياسة أو جهة أخرى) من المحرمات (وليس حتما وفق الشريعة التي يدين بها ذاك المجتمع) وإن كانت في بعض الأحيان تقرن لدى البعض بمفهوم (الحلال) و(الحرام). فالتابو أي خط أحمر لا يقبل المجتمع تجاوزه بغض النظر عن مدى كون (التابو) مبررًا أو حتى متناسقًا مع القوانين والشرائع».
وتمضي تلك المصادر، مؤصلة للكلمة فترى أن «أصل كلمة تابو أتى من لغات سكان جزر المحيط الهادئ، وتعني المحرم أو الممنوع وقد تعني المقدس أحيانا، وهي تشير إلى الأشياء الممنوع على الفرد القيام بها من فعل أو قول لأن هذا يطلق الأرواح الشريرة الموجودة داخلها (والفكرة موجودة تقريبا لدى كل الشعوب البدائية)، وكان الكابتن جيمس كوك أول من ذكرها ونقلها للغرب، والكلمة نفسها موجودة في النصوص التشريعية في تونغا مثلا».
وبعد أن يحصر الكاتب محمد فتحي يونس أنواع التابوهات في ثلاثة هي «الجنس والسياسة والدين»، يعود في مقالة رشيقة عنوانها («تابوهات» عربية جديدة تولد في الخفاء) كي ينقل عن مفكرين وأدباء مصريين مجموعة من المقولات بشأن موقفهم من تلك «التابوهات». يوسف القعيد يرى -كما ينقل عنه يونس- أنه «مع معدل الأمية المرتفع، وإقلاع الناس عن القراءة قلت قبضة التابو السياسي، كما تعدى الروائيون الجدد بمراحل ما كنا نعتبره خطوطًا حمراء، (مضيفًا عن تجربته الذاتية في التعامل مع التابوهات)، أؤمن بشعار سبقني إليه نجيب محفوظ، وهو القائل: عندما أكتب لا أعبأ بشيء على الإطلاق. وقد قال ذلك عام 1961، وهي جملة لخصت تجربته، خاصة وهو أشجع الكتاب تحديا للتابوهات. ولا ننسى (أولاد حارتنا)، التي تحدى بها الفهم المنغلق للدين».
أما الأديب سعيد الكفراوي، فيرى، كما ينقل عنه يونس، «نحن ضحايا المقدس بكل صوره، والمقدس ينسحب معناه على كل القيم الجامدة، ومنها قيم عائلية، وأخرى مجتمعية ومذهبية وطائفية تحرمك الخوض في مناطق جديدة، كما تقف حائلا دون التجريب. يقدس الناس القائم ولا يغيرونه، وبالتالي فقدنا فعل الحرية، وفقدنا النقد الذي يقودنا إلى قيم إيجابية خلاقة».
وفي مجتمعنا العربي، ومن بينه المجتمع البحريني، هناك العديد من التابوهات التي فرضتها تطورات العمل السياسي خلال النصف القرن الماضي، من بينها، على سبيل المثال لا الحصر رفض أي شكل من أشكال الصراع السياسي المباشر مع العدو الصهيوني. وكان ثمن هذا الموقف «الطهراني» باهظًا دفعته الثورة الفلسطينية، وما تزال. ليس المقصود هنا أن يقودنا الصراع السياسي المباشر إلى تقديم تنازلات غير مبررة لذلك العدو، بل خوض الصراع السياسي من منطلقات ثورية، وبمقاييس نضالية تضمن انتزاع الحقوق، ودون التفريط في جوهرها.
هذه المسألة يتناولها الباحث السوداني الشفيع خضر سعيد، حين يؤكد قائلاً «ومن التابوهات الشهيرة في العالم العربي /‏ الإسلامي، تابو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، حيث تقريبا يحظر أي تطرق إلى أي نوع من الحديث عن تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل. وبالتأكيد، فإن سياسات الكيان الإسرائيلي وأفعاله البغيضة تجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، ساهمت في ترسيخ وتجذير الوعي الشعبي بأن إسرائيل هي العدو الأول». ويمضي سعيد كي يضع الأطر الصحيحة لإدارة الصراع السياسي مع العدو الصهيوني، بما يضمن الحق الفلسطيني، ويحصر الكيان الصهيوني في زاوية حرجة.
ولو تمعنا في المشهد السياسي العربي خلال الخمس سنوات الماضية لوجدنا فيه الكثير من المواقف التي أخذت بها القوى السياسي، كانت في أساسها خاضعة لمجموعة من التابوهات السياسية التي ساهمت في تحويل الصراع من شكله السياسي المتحضر، إلى أنماطه الصدامية العسكرية التي فتحت الأبواب على مصراعيها أمام التدخلات الأجنبية التي حرفته عن مساراته الصحيحة، وأصبحت المنطقة العربية ساحة تجارب لحروب ضارية لا يعلم إلا الله النهايات التي تأخذنا إليها.
ولم تكن البحرين بعيدة عن تلك التابوهات، فبعد أن فتح المشروع الإصلاحي المجال أمام عمل سياسي عبر المؤسسات التشريعية ومنظمات المجتمع المدني، إثر قبره لقانون أمن الدولة السيء الصيت، وبدلاً من تدشين مرحلة جديدة من العمل السياسي القائم على الصراع السلمي، وجدنا الأحداث تتطور في اتجاه عنيف، وتحولت بفضل ذلك الانحراف من السلمي إلى العنيف، وبرزت مع هذا التحول بعض «التابوهات» السياسية التي ما تزال تحول دون تصحيح المسار، والعودة إلى العمل السياسي بدلا من سيطرة ذهنية العنف، الذي ينبغي أن تتوقف عن ممارسته جميع الأطراف.
وفي السياق ذاته، ومن أجل العودة الصحيحة للعمل السياسي القائم على صراع داخل مؤسسات المجتمع المدني، لابد من العمل الجاد من أجل إحداث النقلة النوعية المطلوبة في الأخذ بيد المجتمع نحو بيئة سياسية تتفاعل فيها بشكل إيجابي سلطات المجتمع الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتنبذ كل ما من شأنه حرف الصراع نحو صدامات عنيفة.
والخطوة الأولى على هذا الطرق، تتطلب من مكونات العمل السياسي في البحرين الوقوف بشجاعة وبكل جرأة أمام كل «التابوهات» التي أفرزتها السنوات الخمس المنصرمة، وقراءتها من منطلقات نقدية شفافة، قادرة على التخلص من كل ما من شأنه أن يثقل كاهل مكونات العمل السياسي، ويبعدها عن الهدف الأبعد الكفيل ببناء مجتمع تتضافر فيه جهود تلك المكونات من أجل ترسخ قيم المجتمعات الراقية التي تؤمن بالتطور وتسخر جهودها من أجل التمسك به والعمل في نطاق قيمه وآلياته.
تكمن في ثنايا التابوهات السياسية الكثير من الالتواءات التي متى ما فشلت مكونات العمل السياسي من تعريتها، تتحول إلى حواجز مانعة تقف حجر عثرة أمام أي تطور حقيقي مرتقب للمجتمع البحريني. والعمل السياسي المحنك والناضج في آن، فهو وحده القادر على كسر طوطم هذه التابوهات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها