النسخة الورقية
العدد 11116 الأحد 15 سبتمبر 2019 الموافق 16 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:43PM
  • العشاء
    7:13PM

كتاب الايام

أعداء النجاح.. حديث يؤلم القلب

رابط مختصر
العدد 10065 السبت 29 أكتوبر 2016 الموافق 28 محرم 1438

ثمة بعض الموضوعات التي أشعر بحزن شديد عندما اتطرق إليها أو الكتابة عنها، فمجرد التفكير فيها يحزنني ويصيبني بحالة من الاستياء، ناهيك عن الطاقة السلبية التي تنال من حالتي المعنوية والنفسية، وحتي لا أطيل، فالذي يحزنني بحق هم أعداء النجاح، أولئك الذين لا يتركون شاردة أو واردة إلا وانتقدوها وصبوا عليها لعناتهم وجام غضبهم، وأولئك الذين قال فيهم المصريون في أمثالهم الشعبية: «ملقوش في الورد عيب قالوا أحمر الخدين» وكذلك: «يعمل من الحبة قبة»، في حين أن هؤلاء ينسون مثلاً أخر مهم جدًا وهو: «عمر السمعة أطول من عمر الإنسان».
هؤلاء الأعداء ليسوا في بلدنا فقط ولا بين ظهرانينا، فهم ينتشرون في كل أنحاء الدنيا، ولا يبخلون بحسدهم وكلامهم – الثقيل – على الناجحين، فدائمًا يصدرون طاقاتهم السلبية للناجحين والمتميزين، وأكيد كل فرد لديه من الحكايات والمواقف التي تعرض لها، ولكن الأهم ألا نرضخ لأمزجتهم وسلبيتهم، وأن ندافع عن أنفسنا بقوة، فالنجاح لا يقف على مستوى الفرد، بل يمتد الى الوطن ككل، وبالتالي فكلنا في حاجة الى هذا النجاح حتى وإن تعرضنا لمواقف مؤسفة تحاول الحد من تقدمنا وتطورنا.
ومن المؤكد أن أعداء النجاح ليسوا على مستوى الفرد أو الشركات أو أماكن العمل فقط، ولكن الأسوأ إنه يمتد حتى الى الدول والأوطان، ولعلي لا أبالغ إذا ذكرت ما جرى في العراق ويجري في سوريا حاليًا، وما تشهده ليبيا وحتى اليمن. فالأوطان تتعرض هي الأخرى لداء الحسد من الدول الأخرى، وإذا اقتصرنا على شعوبنا، فطبيعي أن يطال كلامنا إسرائيل التي ظلت تحارب العرب سواء على الأرض أو حروب نفسية حتي تجهض كل مشروعاتهم التنموية، واستطاعت بتأليب الولايات المتحدة علينا، فبدأت بمشروع جمال عبدالناصر العروبي، حتى القضاء على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وللأسف، فقد حذرانا من هيمنة إسرائيل وأمريكا على أوطاننا ولم نسمع كلامهما ونصائحهما في حياتهما، حتى باغتتنا الغمة في وقتنا الراهن.
فغيرة الدول وعقدة الهيمنة والسيطرة دفعت الكثير من المتطلعين نحو منطقتنا، وتسببت في تأخرنا لفترات طويلة، وعندما همت أوطاننا بتعويض بعض ما فاتها، قامت الدنيا وهاجت وماجت علينا، ولسان حالهم يقول: «لماذا ينهض العرب والمسلمون»، وطبعًا النتيجة الطبيعية لنهضتنا هي نكسة هؤلاء.. وأمامنا مثالاً راهنًا على حالنا، وهو قانون «العدالة ضد الإرهاب» الأمريكي والمعروف باسم «قانون جاستا»، حتى لو كان قانونًا وهميًا وضد المواثيق الدولية، ولكنه يبين لنا كيف يفكر الآخرون في نهب ثرواتنا وأملاكنا، وكيف تآمروا مع أعدائنا ضدنا، ففي الوقت الذي يرفعون فيه الحظر الاقتصادي على إيران ويسلمونها مئات المليارات من الدولارات، يتجهون مباشرة الى فرض عقوبات علينا تحت ذريعة «مواجهة الإرهاب» في حين أن الحقيقة المطلقة تؤكد أن ما نعيشه من إرهاب في منطقتنا وارد إلينا من هؤلاء.
ليس الهيمنة والسيطرة فقط هي عقدة هؤلاء حيالنا نحن العرب، ولكن هناك شرًا زعزعة للاستقرار في المنطقة، وللأسف الدول الغربية الطامعة لا تتجاهل التاريخ، بل تستوعبه تمامًا وتحفظه عن ظهر قلب، فلا تريد أن نستعيد قوتنا مثلما كان العرب والمسلمون في الماضي، فهم يعلمون علم اليقين كيف سيكون العالم إذا تقدمنا وتطورنا وبلغنا العلا، فأباؤنا هم الذين برعوا في علوم الطب والرياضة والفلك وركبوا البحار وبنوا الأساطيل العملاقة قبل أن يعرف الغرب كل هذه العلوم التي ترجموها عن العربية.
نعود الى أعداء النجاح في الداخل، وكما ذكرت فكل شخص لديه من الحكايات والمواقف التي لا ينساها وتعرض فيها لغيرة البعض من نجاحه ومحاولة هؤلاء النيل من نجاحه ليجهضوا أحلامه بالتقدم. وهذا التقدم لا يتوقف على مهنة محددة أو فئة عمرية بعينها، فالفاشلون موجودون في كل مكان، حتى من الطفولة، وكم نسمع من روايات من أحفادنا وما يلاقونه من غيرة وحسد أقرانهم في المدارس، ويتطور الحال بهؤلاء ليكونوا فئة مدمرة في المجتمع، ويبثون سمومهم في أوصاله.
لماذا؟.. طبعًا الإجابة معروفة، فالنجاح يولد الأعداء، وسلاح الفاشل هو طعن الناجح من الخلف، فهو لا يستطيع اللحاق به، فيكون الطعن هو الوسيلة لإجهاض مسيرته، وربما لا يعلم الفاشل أنه يدفع بأحقاده تلك الإنسان الناجح ليحقق المزيد من النجاح، فمثل هذه المواقف السلبية من الآخرين تدفع النابهين الى تحدي أنفسهم لكي يثبتوا للجميع أن الطريق يمضي والحياة تسير حتى لو فيها بعض المعوقات وأعداء النجاح.. فالضربة من الخلف كانت سبببًا لانتشار مقولة «إذا جاءتك ضربة من خلفك.. فاعلم تمامًا إنك في المقدمة». وبالتالي، فيكون العمل الدؤوب هو أبلغ رد على الفاشلين وأولئك أعداء النجاح.
فالنجاح له ضريبته التي يجب أن يسددها صاحبها، سواء أكان شخصًا، مؤسسة، حكومة، دولة.. وأكيد قرأنا كثيرًا عن الضغائن بين الشركات المتنافسة والادعاءات التي تنشرها الشركات التي لم تحقق تقدمًا في منتجاتها، فهذه الشركات تكتوي بنار الغيرة وتدفع كثيرًا لنشر شائعات كي تطال من الشركات المنافسة لها والتي تستحوذ على حصة من السوق، نعلم هذا في كل أنواع الشركات، وحتى على مستوى الأطباء والمستشفيات وغيرها الكثير والكثير الذي لا يتسع المقال لسرده.
ومن أشهر الأحزاب في أي بلد ما حزب «أعداء النجاح»، فأعضاؤه ليسوا بالعدد القليل، وهؤلاء لا يمارسون العمل السياسي مثل بقية الأحزاب، ولكن مهمتهم تتركز في الهدم والتدمير، هدم الأخلاقيات التي تتربى عليها الأمم، وتدمير كل ما شيدته الأوطان، ويبث أعضاء هذا الحزب سمومه في وجه كل ما حقق نجاحًا لوطنه، في علمه وعمله. وهكذا، يعاني المميزون في كل مجتمع من سهام أعضاء حزب «أعداء النجاح»، وتلك السهام متعددة الاستخدامات والأغراض، فمنها الشائعات كما ذكرت، ومنها الأقوال البذيئة، ومنها الضرب تحت الحزام.
وكما يقول الشاعر: «وكيف يداوي المرء حاسد نعمة.. إذا كان لا يرضيه إلا زوالها». ونكمل نحن أن للتميز ناسه، فهؤلاء لا يرضون إلا بتحقيق الأفضل والأرقى، وهؤلاء يسيرون ولا ينظرون الى الوراء حتى لا يعرقلهم حاقد أو حاسد ويثنيهم عن تحقيق طموحاتهم.. كما أن للإبداع ناسه، بانجازاتهم وكفاءتهم وتميزهم. وهؤلاء مثل السنابل المملوءة بالقمح التي تنحني بتواضع، بعكس السنابل الفارغة التي ترفع رؤوسها.
والسؤال.. لماذا يلجأ هؤلاء الى محاربة الناجحين والنابهين والمميزين؟ فالنجاح من حق الجميع، وربما أنجح في عمل وأفشل في آخر، فلماذا إذن لا يلجأ أعداء النجاح الى تجربة أعمال أخرى قد ينجحون فيها، بدلاً من تضييع أوقاتهم وأعمارهم في احباط المميزين في أي مجتمع.. خاصة وأن ثمة تعبير جميل اسمه «الغيرة المحمودة» أو كما نسميها «الغيرة المهنية الإيجابية»، فعندما أجد زميل عمل أو صديقًا نجح في التميز في عمل ما، فهذا يدفعني أنا أيضا للنجاح في مجال آخر، فالدنيا أرحب بكثير من الشيء الواحد، فالأعمال تتنوع بقدر تنوعنا وتشعبنا وطاقتنا.. قال لي صديق إنه عندما نبغ اسمه في مجاله بين أقرانه تكالب عليه البعض لايذائه.. كيف؟ فقد ابتكروا طرقا عديدة لكي يجعلوه يغيب عن العمل، وحاولوا سلبه مكانته لدى رؤسائه الذين كانوا يكنون له كل طيب، فماذا كانت النتيجة؟.. أن تم ترقيته ليتولى هو بنفسه أمرهم وهو الخبير بألاعيبهم ومساعيهم الخبيثة لبث الفتن بين أعضاء القسم الذي ترأسه. وحتى نوقن أن للأخلاق ناسها فعلاً، فعمل صديقي هذا على تحييد هؤلاء في البداية حتى نجح في إخماد قواهم الشيطانية، وبأخلاقه أيضا، فلح في نهاية الأمر الى الاستفادة من طاقاتهم التي حولها الى العمل الإيجابي بدلاً من الغمز واللمز والكسل والخمول، كما نجح في تحويل تلك الطاقات التي كانت سلبية تمامًا الى ايجابية حتي أصبحوا مميزين في عملهم فحصل على عطائهم وانتاجهم، حتى استفادت المنشأة التي يعملون بها بكل هذا العطاء. فالشعوب تنجح بالجد والاجتهاد والمثابرة على العمل، والأفراد ينجحون بالمنافسة الشريفة، فبالعمل والإخلاص تتقدم الأوطان والشعوب.

* كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها