النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

الوجه الآخر.. للرئيس السادات

رابط مختصر
العدد 10063 الخميس 27 أكتوبر 2016 الموافق 26 محرم 1438

في زحام الاحتفالات الضخمة التي أقيمت في الأسبوع الماضي بالعيد الثالث والأربعين لنصر أكتوبر 1973، لم يتنبه أحد - بالقدر الكافي - إلى أنها قد تواكبت مع الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيل الرئيس «أنور السادات» صاحب قرار الحرب الذي شاءت المقادير أن يُغتال في مثل هذه الأيام من عام 1981، وهو يحتفل بالعيد الثامن للنصر الذي قاده، لتختلط - لدى البعض - أفراح النصر بأحزان الذكرى.
ذلك واحد من التناقضات الكثيرة التي تحفل بها سيرة وشخصية أنور السادات، وهو الوحيد بين قادة ثورة 23 يوليو 1952، الذي كانت له صحيفة سوابق نضالية يعرفها الناس، أدت إلى فصله من القوات المسلحة وهو برتبة «النقيب»، بتهمة اتصاله باثنين من الجواسيس الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية وإلى اعتقاله، ثم هربه من المعتقل هو وزميله الطيار «حسن عزت»، ليشتركا في العمل - باسمين مستعارين - بالمقاولات، ثم يتصل بتنظيم مدني كان يقوم بعمليات اغتيال لجنود الاحتلال البريطاني، فيغير اتجاهه للقيام بعمليات اغتيال للساسة المصريين الذين يتعاملون مع الاحتلال، ويشارك في تنفيذ عملية اغتيال أحدهم وهو «أمين عثمان» ويظل رهن المحاكمة ثلاث سنوات، ويغادر السجن ليعمل في شركة للنقل البحري، قبل أن يعود إلى الجيش وتتم مساواته بزملائه، فيحصل على رتبة «العقيد»، ويكون واحدًا من أواخر الذين انضموا إلى قيادة تنظيم الضباط الأحرار.
وكان هذا السجل هو السبب في اختيار زملائه له لكي يلقي بصوته من الإذاعة بيان الثورة الأول، باعتباره الأكثر شهرة ومعرفة لدى الرأي العام، كما كان أول أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين ظهرت صورهم في الصحف مع اللواء محمد نجيب الزعيم الواجهة للثورة، ومع ذلك فقد ظل «السادات» الأقل حظًا بين زملائه حين تحولت الثورة إلى سلطة واستقرت الأمور لقادتها، ففي حين تولى جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة، مواقع مؤثرة في السلطة التنفيذية، ظل هو بعيدًا عن تولى حقائب الوزراء باستثناء فترة قصيرة عين خلالها «وزيرًا للدولة» - وهي وزارة مؤقتة لا اختصاصات لمن يتولاها - وأخذ يتنقل بين عضوية محكمة الثورة، التي حاكمت رموز العهد السابق على الثورة، ومحكمة الشعب التي حاكمت الإخوان المسلمين بعد محاولتهم اغتيال عبد الناصر عام 1954، وبين إدارة «دار التحرير» - وهي الدار الصحفية التي أنشأتها الثورة لكي تعبر عنها - و«المؤتمر الإسلامي».. وفي عام 1957 فاتحه عبدالناصر في تولي رئاسة أول مجلس نيابي يتشكل بعد الثورة، وهو مجلس الأمة، إلا أنه اعتذر له بعد قليل، لأن زميله «عبداللطيف البغدادي» أبدى رغبته في تولي المنصب، وقبل «السادات» أن يكون وكيلاً للمجلس تحت رئاسة «البغدادي».. ولم يتولَ رئاسة مجلس الأمة إلا في الفترة ما بين عامي 1964 و1969.
وكان الانطباع السائد لدى الجميع، هو أن «السادات» لا يريد أن يصدع رأسه بتولي المناصب التنفيذية، وأنه لا جلد له على العمل، ولا يعفيه من السلطة، إلا ما تضفيه على شاغلها من مكانة اجتماعية وحياة لذيذة ومريحة.. وهو انطباع روجه «السادات» عن نفسه في فترة مبكرة، بعد أن حسم «عبدالناصر» الصراع على السلطة داخل مجلس الثورة لصالحه، وسيطر بمعونة صديقه الأثير «عبدالحكيم عامر» على كل مفاصل القوة في البلاد، واستعان بالصف الثاني من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار في تأكيد سلطته.. وعبر «السادات» عن ضيقه بالصراعات داخل مجلس قيادة الثورة، واقترح أن يتنازل أعضاء المجلس عن سلطتهم لرئيسه، على أن يستشير من يختارهم منهم في الموضوعات التي يرى استشارتهم فيها.. وحين لم يساند أحد اقتراحه، أعلن أنه يتنازل عن صوته لعبد الناصر، وامتنع عن حضور جلسات المجلس.
وهكذا عاش «أنور السادات» على خريطة سلطة 23 يوليو، دون أن يضعه أحد من بين المنافسين على السلطة في حسابه، وكان الوحيد من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي لم يعين نائبًا لرئيس الجمهورية، أو رئيسًا للوزراء وبينما تولى آخرون من أعضاء الصف الثاني والثالث مناصب رفيعة في الحكم، ظل هو يتولى مواقع هامشية وغير مؤثرة، ويضطر للالتجاء إليهم لكي يحلوا له مشكلات بسيطة.
روى لي «محمد عبدالسلام الزيات» - وكان أحد معاوني «السادات» المقربين منذ كان الأول أمينًا عامًا لمجلس الأمة وكان الثاني وكيلاً للمجلس - أنه كلفه يومًا بأن يتوسط لدى «على صبري» - وكان آنذاك أمينًا عامًا للاتحاد الاشتراكي - لكي يستخدم نفوذه في إلحاق والد السادات، الذي كان قد أحيل إلى المعاش من عمله بوزارة الصحة - بوظيفة في أحد المستشفيات الخاصة، وأنه وجد صعوبة في إقناع «على صبري» بأداء هذه الخدمة البسيطة ثم قبل في النهاية لكن باعتبارها خدمة يؤديها للزيات وليس للسادات.
وجاء الزمن الذي وقعت فيه هزيمة يونيو 1967، واختفي معظم المتصارعين على السلطة من رجال الصف الأول، وتلفت «عبدالناصر» حوله فلم يجد من زملاء الماضي من يؤنس وحدته - بعد انتحار صديقه الوحيد «عبدالحكيم عامر» - سوى «أنور السادات»، فتوثقت العلاقات بينهما، وفوجئ الجميع باختيار «السادات» نائبًا وحيدًا لرئيس الجمهورية.. وحين رحل بعد ذلك بأقل من عام، كان طبيعيًا أن يكون «السادات» هو المرشح لخلافته، وهو اختيار سانده كل المتصارعين على السلطة من ورثة عبدالناصر الآخرين، إذ كان كل منهم يرى أنه أحق بالخلافة من الآخر، وكانوا جميعًا يصدقون تظاهر السادات، بأنه عازف عن السلطة وزاهد فيها، وغير مؤهل للقيام بتبعاتها. فتحمسوا له، انطلاقًا من ظنهم أنه سيكون مجرد ساتر يمارسون من خلفه السلطة كلها.
وبعد سبعة أشهر، أطاح «السادات» بهم جميعًا، وانفرد بالسلطة دونهم وقادهم إلى السجون.
وربما قد تذكر بعضهم آنذاك ما حدث في بداية الثورة، حين فكر قائد الأسراب «حسن عزت» - رفيق نضال أنور السادات - في أن يسترد عمله في القوات المسلحة، وشجعه السادات على ذلك مثنيًا على المزايا التي يتمتع بها صاحبه وعلى دوره الوطني، وبعد شهور من عودته، طلب «حسن عزت» من «عبدالناصر» أن يعينه قائدًا لسلاح الطيران، وحين عرض الأمر على أعضاء مجلس قيادة الثورة، لم يمانعوا باستثناء «أنور السادات» الذي كشف للمجلس عن السلبيات الكثيرة في شخصية «حسن عزت» التي تجعله غير أهل للثقة.. فعدل المجلس عن اختياره لهذا المنصب.. وعندما علم «حسن عزت» أن «السادات» هو الذي اعترض على ترشيحه.. ذهب إليه ليسأله ثائرًا: ألم تقل لى إنني صاحب تاريخ نضالي ووطني كفء.. وإن الثورة لا تستغنى عن أمثالي؟ فقال «السادات» بهدوء: أيوه قلت.. فعاد يسأله: طيب ليه قلت عكس كده قدام مجلس قيادة الثورة؟! فرد عليه بالهدوء نفسه: أنت عارف يا «أبو علي» يا حبيبي إن الحياة تمثيل.. في تمثيل!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها