النسخة الورقية
العدد 11155 الخميس 24 أكتوبر 2019 الموافق 24 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

تحرير الموصل من الإرهاب؟!! يبدو أن المأساة في سبيلها أن تعاد لتكون الفوضى

رابط مختصر
العدد 10062 الأربعاء 26 أكتوبر 2016 الموافق 25 محرم 1438

 تتسع زاوية النظر يومًا إثر يوم باتساع مدى المعارك وتوغل القوات العراقية مع من يرافقها من مليشيات فرضها الحرس الثوري الإيراني فرضًا على الجيش أو فرضها الجيش نفسه على صناع القرارين السياسي والعسكري الأمني لتكون شريكته في تحرير مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق، والمسماة أيضا أم الربيعين. وبتسارع وتيرة الأحداث وتجلي هوية المشاركين فعليًا في عمليات تحرير الموصل من قبضة «الدواعش» تصبح الرؤية أوضح للحكم على مصداقية تصريح رئيس وزراء العراق حيدر العبادي عشية بدء المعركة حين بادر إلى التصريح بأن الجيش العراقي والأمن والشرطة وحدهم من سيقومون بعملية تحرير الموصل. والسؤال بعد أن تبددت سحب تصريحات الاستعداد لعملية الموصل يصبح بناءً على معطيات الميدان هل أن في مقدور العبادي حقًا أن يتخذ قرارًا لا يلاقي هوى عند المليشيات المدعومة من إيران، ليستبعدها من عمليات تحرير الموصل التي تقدر فيها تلك المليشيات غنمًا طائفيًا كبيرًا؟
 فرص حسم المعركة محسوبة بناءً على ما اتخذ من تدابير أمريكية من حيث الإعداد والتدريب الممتاز الذي خضع له الجيش العراقي، بحسب وصف البنتاغون الذي يكفل للحكومة العراقية تحقيق نصر سريع على عدد قيل بناءً على معلومات استخبارية إن قوامه 4000 مسلح من الدواعش، أو يزيدون قليلاً ممن عاثوا فسادًا على مدى العامين الماضيين وهم يبسطون سلطتهم المتعارضة مع روح العصر على مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى بعد مهزلة عسكرية كشفت عمق الخراب الذي خلفه نوري المالكي في أجهزة الدولة العراقية المنخورة أصلاً بطائفية زرعها بريمر بعد انهيار حكم صدام حسين وتفتت أجهزة الدولة العراقية. قراءة مجريات الأحداث الآن تتيح الحكم بحتمية تحرير الموصل من «داعش»، لكن الحكم بسيادة الأمن والاستقرار في هذه المدينة بعد ذلك أمر غير مؤكد، والخشية كل الخشية أيضا أن يمتد عدم الاستقرار إلى مناطق أخرى في الأراضي العراقية ليمس منطقة الشرق الأوسط بزلزال جديد عواقبه لا يمكن تقدير حجمها الكارثي على المنطقة والعالم كله.
 لكن ماذا سوف يترتب على هذا النصر؟ هذا السؤال يطرحه سياق الاستعجال الذي في ضوئه رجح البيت الأبيض الرأي ببدء معركة تحرير الموصل، من دون التفكير في المآلات التي ستضع الحرب عليها أوزارها. من وجهة نظري أن جل ما كان يفكر فيه الأمريكيون، خصوصا وأنهم يديرون المعارك من الخلف ولا يواجهون النيران، هو تحقيق نصر سريع يكون له التأثير المباشر في الانتخابات القادمة بترجيح كفة السيدة كلينتون وإضفاء مشروعية النصر العسكري على عملية اختيارها رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية. أما ما سيؤول إليه الوضع بالنسبة إلى سكان مدينة الموصل بعد المعارك فأمر لا يهم، فلينتظروا إلى أن تستوي الأمور إلى القادم الجديد إلى البيت الأبيض، وليتجرع من سوف يبقى في المدينة وأولئك الذين سوف يرون أنفسهم مشردين منها كؤوس المذلة!
 حتى يوم أمس كانت نيران معركة تحرير الموصل في فاصلها العملياتي منذ يوم الأحد قبل الماضي متواصلة في أزخم مختلفة متباينة أحيانا ومتشابهة في أحيان أخرى، ويمكننا هنا رصد اثنين منهما بارزين إيقاعهما واحد منذ اليوم الأول لهذه المعركة، وآخر ثالث مفترض حصوله في ظل الواقع العراقي وما عاناه من أفانين التفتيت العرقي والطائفي على وجه الخصوص. أول العنصرين البارزين، ما تدفع به قوات التحالف الدولية ويتمثل في توفير الغطاء الجوي الضامن لانتصار حكومة العراق مهما كانت الظروف، لأن الولايات المتحدة تبحث عن انتصار لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تسعى من خلاله إلى تعزيز موقفه أمام الشعب العراقي إزاء محاولات عودة سلفه، نوري المالكي، الذي كان سببًا في سيطرة «داعش» على مناطق واسعة من العراق بلغت أكثر من ثلث مساحته.
 أما الأمر الثاني، فزخم آخر يبدو أنه خارج سياق المعركة أصلاً، وهو ذو سعي دائب للنيل من أهالي مدينة الموصل. هو ضمن المعركة ولكنه من خارج سياقها، وهذا بالضبط ما تدفع به ميليشيات «الحشد الشعبي» كما يحلو لمن ابتدع هذا المسمى ليسيره على كيف ما اشتهى، لتحول واقعة الموصل إلى فرصة ذهبية لتغيير تركيبة الموصل السكانية والمذهبية وفقًا لأغراض ما عادت خافية على أحد. أما الزخم الثالث، والذي كان من المفروض أن يرافق الزخمين السابقين ليتميز عنهما بالحرص على دحر «داعش» تأسيسًا لتعايش حقيقي بين مختلف مكونات المجتمع العراقي ينسي البلد ويلات حكم نوري المالكي الطائفي حد النخاع، ويلجم ذاك الاندفاع المرضي لدى ميليشيات «الحشد الشعبي».
 إلا أن النوايا الطائفية من وراء مشاركة ميليشيات «الحشد الشعبي»، لا تأبى أن تغادر المشهد العراقي، وهو ما يعكسه رفض حيدر العبادي مشاركة القوات التركية في معركة التحرير، وإصرار الولايات المتحدة الأمريكية على مشاركتها، لكن من منطلقات مختلفة. العبادي يرفض هذه المشاركة مدفوعًا بضغوطات إيرانية، ولا أخاله سيقبل المشاركة التركية إلا بعد أن يتفق سادة قم مع أردوغان الحالم بإعادة أمجاد الخلافة العثمانية على تفصيلات لا يعلم كنهها إلا الله، فيما تدفع الولايات المتحدة بمشاركة تركيا تحسبا للنوايا الواضحة التي يشهرها «الحشد الشعبي».
 كيف ستبدو الأمور مع مشاركة ميليشيات «الحشد الشعبي» ونحن قد شهدنا بعضًا من رجال دينهم يقفون فوق المنابر ينادون بالثارات التاريخية التي تجاوزها الزمن، حتى ليخيل إليك أن اجتماع السقيفة مازال منعقدًا لم ينفض بعد، منتظرين معركة الموصل لتصفية حسابات قديمة أكل الدهر عليها وشرب؟! المشهد بئيس وعلى درجة عالية من الحساسية، ولا يفترض من قوة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية أن تتعامل معه بهذه اللامبالاة، وبحسابات هي أقرب إلى منطق المراهنات منها إلى منطق السياسة، لأن هامش الخسران والدمار فيها جلي واضح إذا ما قورن بهامش الربح. فما حدث في الفلوجة وتكريت والرمادي يفترض أن يكون درسًا نتجاوز من خلاله الأوجاع التي ألمت بمواطنين يتقاسمون أرض عيش واحدة، ويلتحفون سماء واحدة، ولكن يبدو أن المأساة في سبيلها أن تعاد لتكون الفوضى حقيقة واقعة.
 فهل ننتظر من الأمريكان جهدًا جديدًا موازيًا لخط الحرب قد يلطف بشاعة برود أوباما وسياسته الخارجية، لتخفيف مآسي حرب لا حطب لها إلا الشعب العراقي، فتكون بذلك فرصة حقيقية تتدارك بها المكونات الاجتماعية العراقية فظاعات الطائفية وبشاعات التفتيت العرقي، ويعيشوا مع بعضهم البعض نشوة الانتصار على الإرهاب والخلاص منه أنى كان مرتكبه. سواء كانت «داعش» أم ميليشيات «الحشد الشعبي»؟! لننتظر، وإن غدًا لناظره قريب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها