النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

كآبة الإعلامية رحلة البحث عن البهجة الضائعة

رابط مختصر
العدد 10060 الإثنين 24 أكتوبر 2016 الموافق 23 محرم 1438

مع انتشار الكآبة العامة المنتشرة من الماء الى الماء الناجمة عن الحروب، وانتشار الإرهاب والإبادات الجماعية والاضطرابات والأزمات المالية والاجتماعية والهجرات الجماعية وانهيارات الاقتصاد وغيرها من الكوارث، اصبحنا نفتقر الى ثقافة الفرح والبهجة، وانتشرت بيننا جميع معاني واشكال الضيق والعصبية، وأصبح أخص ما نفتقر إليه هو عنصر البهجة أو الابتهاج، فالأوضاع العامة تميل بنا إلى أنواع من التجهم والعصبية، وما يرد إلينا يوميًا، بل وفي كل لحظة عبر وسائل الإعلام المختلفة - يعزز هذا المنحى السلبي في حياتنا، فالبهجة - ويمكن أن نترجمها بالأنس والفرح والسرور والانبساط والانشراح - هي ما نحتاجه أكثر من أي أمر آخر في هذه الأيام العصيبة، بعد أن عم التوحش فاستوحشت النفوس وساءت الاخلاق، وانتشرت الوشايات وعمت الأكاذيب والخزعبلات، وأنواع من الأفعال الذميمة والكفر بالحق والعدل والمحبة الخالصة، وازدهار سوق النفاق والتملق بكافة أنواعه، وهذا ولاشك يقودنا الى فقدان الصحة الجسدية والنفسية.. لأن الصحة ليست فقط خلو الجسم من الأمراض العضوية، بل يمكن تعريفها بأنها أشبه بحالة من الرفاه الإيجابي تتمثل في الشعور الداخلي بالبهجة طوال الوقت، وهو شعور ذاتي ولكنه يحتاج إلى أناس من حولها يعززونه، فالبهجة هي الصحة العامة للجسم والنفس، بل أزيد بأن البهجة هي الحياة، ويمكن الحصول عليها بطرق عديدة، بعضها عن طريق إرادي تمامًا مثل الانغماس في عمل الخير، وحب الآخرين، والتطوع من أجل الارتقاء بحياة الناس أو خدمة الأوطان، كما يمكن الحصول عليها بالانغماس في الطبيعة والاستماع إليها والاستمتاع بها ملجأ وحياة، أو عندما نكون محظوظين، فتعثر على الرفقة الطيبة او الصديق الصدوق أو الحب الحقيقي الخالي من المصلحة والكذب والرياء والتمثيل، الحب المنطلق من الولع الدائم والرفقة اللطيفة والرغبة في السير معًا إلى النهاية. كما يمكننا الحصول على البهجة من خلال طرق مزيفة مثل المسكرات والمخدرات والحبوب التي تجعل الواحد في حالة بهجة مصطنعة. إلا أنه لابد ان نستثني منه موضوع الرغبة الذي عادة ما يرتبط بالحب، لأنه يرتبط في الغالب الأعم بالغرائز العرضية، وأراه أقل أهمية في انبعاث البهجة في حياتنا، دون ان نقلل من شأن اقتران الرغبة بالحب الحقيقي، لأن الرغبة ملازمة له ولا تنفيه، ولعل الطبيعة تبدو أذكى منا لأنها جعلت الحب مقرونًا بالرغبة وتجدده مقرونا بتجدد هذه الرغبة، وطبعا لا أقصد الرغبة بالمعنى الحرفي، بل أقصد الرغبة بشكلها الإجمالي الذي يشمل الغرائز والحواس والاشتياق والانفعالات والمشاعر، وكل ما يرتبط بالذائقة الحسية من ألوان وروائح طيبة وصور شائقة وغيرها.
ولذلك لا يتوجب بالضرورة الاستخفاف بموضوع الرغبة، أو التنزيل من مكانته، لمجرد اعتباره مرتبطًا بالغرائز، وأرى أنه أقرب الأمور إلى حقيقة الإنسان، وإن كان الأقدر بين الكائنات على التمويه والتصعيد والتغطية، حيث يتولد عن تحقيق الرغبة شعور بالإشباع والارتياح واللذة و...السعادة. والسعادة أحيانًا هي ما نتصوره غاية لنا قبل الحصول على موضوع الرغبة، أما عدم إشباع الرغبة فينتج عنه الشعور بالحرمان والإحباط والشقاء والاكتئاب النفسي، فهل يمكن أن يسعد الإنسان بشيء لم يرغب فيه قبلا؟ هل يمكن للرغبة في السعادة أن تنفصل عن الرغبة المادية أو الحسية او حتى الروحية؟ أم أن السعادة ليست سوى إشباع لرغبة أي شعور بالامتلاء والاكتفاء؟ فإذا كنا لا نسعد إلا بعد أن نرغب، فإن السعادة والبهجة تتعاظمان كلما كانت الرغبة المتقدمة عليهما أعظم بدورها، وإذا كان عدم تحقق الرغبة يورث مشاعر الحرمان والإحباط والإحساس بالشقاء الذي هو نقيض البهجة، فهل لنا أن نختار حياة بدون رغبات، حياة لا يعكر صفوها إلحاح الرغبات، أو على الأقل حياة ونمط عيش بالحد الأدنى من الرغبات؟ كيف تتولد الرغبات في النفس؟ وكيف تتولد تلك الرغبة الخاصة التي ندعوها بالهوى أو الحب الشديد؟ وعليه أعتقد أن تولد مختلف الرغبات من انفعال البهجة أو النفور هو في الغالب متولد عن انفعال وتفاعل مع الحياة والرغبات والغرائز والادراك الفكري لمهازل الحياة وانكساراتها وظلمها واوجاعها في آن. لذلك لا نملك إلا أن ندعو الله ان يجعلنا من المبتهجين وأصدقاء للمبتهجين، وقريبين من المبتهجين لعلهم يصيبوننا بعدوى البهجة..

• الكآبة الإعلامية
غلبة السياسي على صحافتنا أفضى إلى غلبة الكآبة العامة، وتراجع مساحة البهجة، وكأن واقعنا يخلو من السرور... ومن مظاهر هذه الكآبة المكتسحة، تراجع الصحافة الساخرة التي تشهد انتعاشًا في الغرب، بل لعلها تلقي رواجًا أكثر من أي شيء آخر من الكتابة الصحفية، والصحافة الساخرة عندهم سلطة حقيقية، إلى درجة أنها تقيم الدنيا وتقعدها وتثير الغبار من حولها، فتسقط المافيات وتذهب النوم من جفون اللصوص داخل الأمة. والصحافة الساخرة عندهم، بعد ذلك، تشيع السرور في النفوس وتعيد الثقة في الحس الإنساني الناقد القادر على رفض المساوئ ومقاومة الشر والفساد والتجاوز.
ومن عجائب الأمور في بلاد العرب الافتقار الفادح إلى الصحافة الساخرة إلا بعض المحاولات المحتشمة وغير الجادة، رغم امتلاء حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما يثير السخرية والضحك والسخط، والغضب. فبقدر ما تزخر حياتنا العربية بهذا الزخم من الروح النافذة والساخرة، وبقدر ما يرسم الناس البسطاء في الوطن العربي بسمة النقد الساخر أو السخرية النافذة على الشفاه الحزينة بقدر ما تبدو صحافتنا متزمتة أكثر من اللازم، محتشمة أكثر من اللازم، وخجولة أكثر من اللزوم، وغير قادرة على أن تعري العورات وتسخر من كل ما هو سيئ وشرير.
والحقيقة أن الصحافة الهزلية أو الكاريكاتيرية – بعكس ما يظن البعض – هي من أرقى وأصعب أنواع الصحافة، ولذلك لم نتوفق في بلاد العرب إلى اليوم إلى بناء تيار صحفي نقدي كاريكاتيري من النوع الدائم والمقنع، إننا باختصار نخاف السخرية والنقد لأننا نعاني من حالة تزعزع في الثقة نتيجة التكميم والاضطرار الدائم إلى التظاهر والنفاق والكذب.

همس:
وداعًا يا طائر الأحلام،
لقد رفعت أشرعتي،
قاربي ودع مرفأ الأحزان مساء.
رسائلي القديمة
أودعتها الرصيف الشمالي.
لم يبقَ سوى أن أشرب قهوتي
وأستمع إلى أغنيتي الأخيرة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها