النسخة الورقية
العدد 11062 الثلاثاء 23 يوليو 2019 الموافق 20 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

آفة الأخبار رواتها

رابط مختصر
العدد 10058 السبت 22 أكتوبر 2016 الموافق 21 محرم 1438

يقولون دائمًا «ما آفة الأخبار إلا رواتها»، هذا ما شاهدناه مؤخرًا وضخم ما يتردد في الكواليس المصرية - السعودية بأن ثمة أزمة كبيرة بين الطرفين، والمقصود برواة الأخبار هو الإعلام بمفهومه الأشمل، أي الإعلاميين المعتمدين الذين يكتبون في الصحف المختلفة سواء أكانوا كتاب رأي أو تقارير إخبارية ومذيعين في الفضائيات المختلفة الرسمية والخاصة، وهؤلاء هم بداية الأزمة بطبيعة الحال، حيث هم الذين يفجرون أي خلاف بين دولتين أو مجموعات إقليمية، فمن عندهم يبدأ الخبر ثم الرد عليه، وما يليه من كتاب الرأي ثم الرد عليه، فتشتعل النار لتحرق الجميع، ماضيهم وحاضرهم وبالتأكيد مستقبلهم، في حين أننا لسنا في حاجة الى مزيد من النار في علاقاتنا ويكفينا ما نعيشه من ظروف إقليمية صعبة، فبلاد العرب تضيع وتندثر، والعالم يتكالب علينا طامعا في خيراتنا وجغرافيتنا وسيادتنا.
ذكرت أن الإعلام هو البداية، وهذا مقدور عليه، فنحن نعلم بحكم خبراتنا وعملنا في هذا المجال طوال حياتنا، كم للتعليمات من دور مؤثر في مثل هذه المواقف، فالتعليمات ربما تصدر من جهة غير ذات صلة أو على بينة ببواطن الأمور، فيكون الموقف صعبًا بعد تدجين الأقلام وقدح كل طرف الآخر بما ليس فيه.. وهذا ما تم في الأزمة الأخيرة بين مصر والسعودية، فلا ننكر بعد الكثير من اطلاعنا على ما كتب من شم رائحة التعليمات، هذه العادة المذمومة بأن تكلف بعض الأقلام بشن حملة معينة، ثم تنبري هذه الأقلام في قذف الآخر بما ليس فيه.
وإذا كان الإعلام الرسمي هو البداية، فهو سهل لجمه حتى وإن كان الموقف أصبح صعبًا نوعًا ما مع انتشار الصحف المستقلة، وما تدعيه باستقلال مواقفها التحريرية عن رؤية الدولة الأم، ولكن ثمة مشكلة كبيرة تتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي «السوشيال ميديا» وهي التي تشعل الأمور بين أي دولتين، فالذين يكتبون تنتابهم «الشوفينية الوطنية» وتتغلب عليهم قومياتهم، وتكون كلماتهم وجملهم كالسياط التي لا يعيش من يضرب بها أبدًا. فتجد من يفتح النار على الآخر مستخدمًا السوشيال ميديا لا يرى في الآخر ميزة، فكل ما يراه عيوبا ونواقص، وهنا تبدأ المعايرات والمهاترات، وتتسع الفجوة وبدلاً من أن تكون بين عاصمتين ودبلوماسيين ومحدودة التأثيرة وخفية، تكون الأزمة أضخم بما يصعب وأدها.
ومن يتعرّض لمهاترات المعايرة والسب والقذف يرد هو الآخر، ويستخدم التاريخ تارة، والدين تارة أخرى، والاقتصاد تارة ثالثة، فثمة طرف يتحدث عن قوته الاقتصادية الحالية ويرهن بها وضع الآخر وما جعله يقف على قدميه بعد أن كاد يسقط هو وشعبه.. في حين أن هذا الآخر لديه من الأسلحة التي يرد بها أيضا ويشهرها فورًا ليهاجم بها، وهو هنا يتسلح بماضيه.
بالتأكيد.. ينسى الإعلاميون ومتابعو السوشيال ميديا، حقائق مهمة للغاية، منها أن العلاقات بين مصر والسعودية لا تتأثر بأي تصرف عابر، فهي أقوى مما يتصور هؤلاء، فالسعودية ظهير الوطن العربي والإسلامي والكل حريص على أن تكون علاقته بها وطيدة ومميزة.. ومصر هي عمق هذ الوطن وقوته، فلا السعودية تستطيع التخلي عن مصر، وكذلك لا تستطيع مصر أن تتخلى عن السعودية، فكلاهما جناحًا الأمة.. والداني والقاصي يعلم هذا ويحفظه عن ظهر قلب، ولكن هي النعرة الوطنية الكاذبة التي تصور للبعض أن إقليمه هو الأهم وأنه بدون دعمه للأمة ستضيع هذه الأمة وتنهار.
نعلم أن العلاقات بين الدول لا تستقر على حال، فهي مثل الثرمومتر، ترتفع وتنخفض، فهكذا الحياة التي نعيشها، ولكن الأهم هو حقيقة أخرى وهي أن الخلاف لا يفسد للود قضية، خاصة في تلك الآونة الصعبة، حيث أصبحنا أمة محاصرة بالحروب والفتن والأزمات، فكل ما حولنا يندثر ويضيع، فلا قادتهم عاقلون ولا شعوبهم تحكم - بكسر الكاف - العقل في أمورها، فالسلاح أصبح هو الأداة الوحيدة الفعالة حاليًا.. والكل يستقوي بسلاحه وما لديه من ذخائر وعداد.
ونعلم أيضًا أنه مع خطورة هذه المرحلة، لا يجب أن نترك للإعلام ومواقع السوشيال ميديا السيطرة علي طبيعة الأمور وقضايانا السياسية، فالإعلام عندما يدس أنفه «تخرب الأمور» كما يقولون، فما بالنا وقد رأينا السوشيال ميديا تدخل الحرب هي الأخرى، فلا نحصد من ورائها سوى النار والحرائق.. وللأسف، رأينا من يصف مصر والسعودية بأنهما أعداء، مستلهما قصص خاطئة من الماضي ليثبت وجهة نظره، وكان حري بكل هؤلاء الميل نحو التهدئة، حتي لا تقودنا بعض الأقلام المغرضة للتهلكة، فنحن العرب لسنا بحاجة الى هذا، وأمامنا أزمان صعبة حتى نستعيد فيها أمجادنا، فالإعلام والمواقع الكاذبة تغذي الفرقة والفتنة وليس الوحدة التي نبتغيها جميعا.
الغريب أن مواقع السوشيال ميديا ومتابعيها حرفوا الهدف منها، وهو التواصل الاجتماعي وليس التنابذ العرقي والديني والفوقي ونشر وتمرير الأكاذيب وبثها على أنها حقائق مسلم بها.
لا أريد أن نورد في مقامنا هذا بعض ما كتبه إعلاميون في صحفهم ومواقعهم الإخبارية، أو مواطنون من كلا البلدين على السوشيال ميديا، فكثير من هذه الكتابات لا ترقى للأسف لمعنى أو مضمون الكتابة، وإنما مجرد أهواء شخصية وخزعبلات.. ولكن المؤسف حقا هو ما تناقلته الصحف والأخبار عن مسؤولين في مواقع نافذة وتعليقاتهم التي لم ترق لمستوى مناصبهم.
إجمالاً.. قوة السعودية هي قوة لمصر، وقو مصر قيمة مضافة لقوة السعودية، فهما وكما ذكرت كفتا ميزان الوطن العربي، وعلاقاتهما القوية والمتوازنة قوة لهذا الوطن.. وبقدر دعوتنا لسرعة تطويق الأزمة الناشبة بين الدولتين أيا كانت مسبباتها، فلا مصلحة للسعودية ومصر في استمرار الفجوات بينهما، فمن الضروري وقف تداعيات أي أزمة بين القوتين الكبيرتين. فما شاهدناه مؤخرا ربما ينبئنا بالأسوأ، مما يتطلب توحيد الرؤي بقلب مفتوح حتي نفسد على المغرضين أغراضهم المشبوهة بإنتاج أزمات أخرى.
لن أنزلق الى كتابة ما هي أسباب الأزمة أو تداعياتها المؤسفة، فربما يوقعني هذا في نفس الأخطاء التي انتقدتها لتوي، ولكن الأهم هو الإشارة الى أن العلاقات - أي علاقات - بين الدول ستكون عرضة للتجاذب والاختلاف، ولكنها أبدا لا تنزلق الى حافة الهاوية إلا في حالة واحدة وقد مررنا بها جميعا، وأقصد الاحتلال العراقي للكويت، فهنا انبرى كل العرب ليقفوا بجانب التحالف الدولي لإزاحة هذا الاحتلال عن الكويت الشقيق.. وليتنا نعيد هذا التوافق الى علاقاتنا حاليا.

* كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها