النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

من ذاكرة 11 سبتمبر أمريكا تتحول إلى مرحلة البلطجة القانونية

رابط مختصر
العدد 10048 الأربعاء 12 أكتوبر 2016 الموافق 11 محرم 1438

السؤال البديهي البسيط الذي يطرحه الناس في العالم اليوم في مواجهة قانون (جاستا) الأمريكي المثير للجدل والذي مرره الكونغرس مؤخرا، بادعاء استهداف تحقيق العدالة لضحيا الإرهاب هو: وماذا عن تحقيق العدالة لضحايا العدوان الأمريكي الواسع على بلاد وشعوب في الشرق والغرب، في الجنوب والشمال، عبر التاريخ المعاصر؟ من سيحقق العدالة لضحايا هورشيما ونكازاكي وضحايا حرب فيتنام العدوانية وضحايا الاحتلال الأمريكي للعراق وتدمير كيانه وانتهاك هويته ووجوده الإنساني، وضحايا احتلال أفغانستان وانتهاك شعبها... الى اخر العنوانين الكبرى للعدوان والانتهاك؟ فالانصاف هنا أولى ومطلوب لملايين الضحايا العدوان الأمريكي في أكثر من مكان في العالم وضحايا الانتهاكات البشعة التي تعرض لها هؤلاء في سجن أبوغريب وفي برج العامرية وفي سجن البشر خارج القانون في غوانتنامو؟
واذا كان الامريكان قد تعرضوا إلى عدوان إرهابي غاشم مدان ومرفوض من الجميع في 11 سبتمبر 2011م، فإن الذين نفذوا هذا العدوان كانوا مجرد افراد ينتمون الى (القاعدة) التي صنعتها الولايات المتحدة الامريكية ومولتها وسلحتها ودربت افرادها في مواجهة الاتحاد السوفياتي السابق، واذا كانت عائلات ضحايا هذا العدوان الإرهابي متألمة مما حدث ونتائجه الدراماتيكية، فماذا عن ضحايا الجرائم الامريكية الموثقة، بالصوت والصورة، وهنا العدوان رسمي خططت له الدولة ونفذته بدم بارد، وشتان بين عدوان افراد مثل الذئاب المنفردة، وبين عدوان تنفذه الدولة بسبق الإصرار والترصد؟
إنها البلطجة القانونية التي جاءت لتستكمل دائرة البلطجة السياسية والعسكرية التي وسمت سياسة والولايات المتحدة الامريكية في العالم، ولا يمكن ان تكون قوة الولايات المتحدة الاقتصادية والعسكرية وامتلاكها للفيتو كافية لتبرئتها او اعفائها من المسؤولية على جرائمها الموصوفة ضد الإنسانية وضد حقوق الشعوب والدول، في الوقت الذي تتحدث فيه عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. لقد سئم العالم هذه الازدواجية الفجة ومن هذا الاحتقار للعالم وللعدالة الحقيقية، ومن هذا الدعم للعدوان الصهيوني ومده بالوقود والنار، فالذاكرة العربية تختزن أكثر من 60 فيتو ضد الحقوق العربية والفلسطينية تحديدا، وصور الجسور الجوية العدوانية من الأسلحة الموجهة إلى اسرائيل، خلال الحروب العدوانية ضد العرب عامة، والفلسطينيين خاصة، كما تختزن المواقف المنحازة إلى الاحتلال للأراضي العربية منذ أكثر من 60 سنة، فالقيادات الأمريكية لا شيء عندها أفضل من التعبير عن الانحياز إلى العدوانية الصهيونية لتتبارى فيه سياسيا وإعلاميا.
وبالرغم من رفضنا المطلق للإعمال الإرهابية لتي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الوحشية، فإنه يجب ان نذكر ها هنا بالوحشية الموازية التي مارستها القوات الامريكية في اكثر من مكان في العالم، ومهما قدموا من تبريرات للتسويق والعلاقات العامة الداخلية والخارجية، فانه لا احد تقريبا لا في الداخل ولا في الخارج، يمكن ان يقبل رواية العنف الأمريكي الوحشي في العراق وفي أفغانستان، والقتل المرضي والتعذيب والمعاملة غير الإنسانية للسجناء في غوانتانامو وفي بوغريب، فذلك السلوك ليس ترجمة لمنطق القوة والجبروت والطغيان فحسب، بل يرجع في جذوره الى مفهوم للحياة هو بمثابة نفي لمفهوم المجتمع الإنساني: لا احترام للإنسان حتى في ميتته في بعض الصور المخزية التي رأينا نماذج محزنة منها في العراق، من تعذيب وتبول على جثث القتلى في حرب ظالمة لا أساس لها، ملايين القتلى والمهجرين المدنيين الذين فقدوا ارضهم وحياته وذاكرتهم.
إن الإفراط الأمريكي في استخدام القوة السياسية والعسكرية والان القانونية من خلال (غاستا) هو إرهاب حقيقي ونوع من ظلم الغطرسة، كما ان اعتبار المناهضين لسياسة الولايات المتحدة الامريكية ولهيمنتها على العالم خارجين على القانون، أو مجرد (أشرار)، قد جعل العالم في واد وأمريكا في واد آخر، كما ان محاولة فرض العملقة القائمة على منطق القوة الغاشمة وإصدار القوانين المتجاوزة للأعراف الدولية المستقرة والتي تنظم العلاقات بين الدول ككيانات مستقلة ذات سيادة، وجر العالم إلى منازعات ساخنة وفوضى عارمة هي في الحقيقة محاولة مكشوفة لإخفاء المشكلات الحقيقية التي خلقها نظام الجشع الرأسمالي - العسكري الذي تمت ترجمته كنظام عالمي جديد، إلا انه من المؤكد لن يكون قادرا على ضمان عملقة أمريكا لان العالم سوف يحاربها بدون هوادة وبكل الطرق والوسائل المشروعة.
لقد بات واضحا أن أمريكا لا يمكنها أن تقود العالم، لأن مجرد امتلاك القوة العسكرية والمالية والاقتصادية وفرض القوانين الجائرة لا يخلق رؤية قيادية عادلة ومقبولة من العالم، ولذلك يبدو اليوم المعسكر الليبرالي الأمريكي عاجزا عن تحديد المشكلات وعن حلها، كما يبدو مصابا بعمى الألوان، وتوجد وراء العواصف المعلنة والغبار الكثيف عوارض الضعف، ويتزايد اليوم عدد الأمريكان الذين يعون ذلك ويعلنون انتهاء العصر الأمريكي الذهبي الذي كانت فيه أمريكا تدعم حق الشعوب في تقرير المصير وأنواع الحريات، انطلاقا من رؤية واضحة للعالم وتقف فيه إلى جانب الحق والقانون الدولي.
باختصار، بهذا القانون الجائر ستكون أمريكا قد اعلنت الحرب على العالم، وتحولت من العدوان الى الابتزاز، وبعد فرض هذا القانون فإن العالم سوف يواجه أمريكا بكل تأكيد بوسائل قانونية وسياسية وحتى اقتصادية مؤلمة، ولن تكون لأي مواطن امريكي أية حصانة مثلما هي اليوم، لان المعاملة بالمثل هي ابسط الحقوق الإنسانية في القانون الدولي، وسجل أمريكا في مجال الانتهاك لحقوق الشعوب والعدوان والاحتلال لن يسعفها كثيرا في مواجهة المطالبات بتحقيق العدالة لضحاياها في العالم.

همس
كالنهرِ يبحث عن وردة أخيرة،
عن شهقة وفراشة
بطعمِ قارب مكسور
في غياهب النهر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها