النسخة الورقية
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الشيشان وإيران وروسيا

رابط مختصر
العدد 10046 الإثنين 10 أكتوبر 2016 الموافق 9 محرم 1438

حين طلب الخليفة أبوجعفر المنصور من الامام مالك (إمام أهل السنة) أن يحمل الناس على مذهبه، رفض الامام مالك وقال له: (يا أمير المؤمنين، لا تفعل! فإن الناس سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإن ردهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم)، بهذه الكلمات أكد الإمام مالك على حرية المعتقد والفكر للناس، دون أن يكرهوا على مذهب واحد أو يلزموا بمذهب معين.
وقيل جاء مؤتمر الشيشان (من هم أهل السنة؟) ليفتح صفحة جديدة من الصراع الفقهي والعلمي تحت رعاية روسية وإيرانية، بهذا العنوان يمكن معرفة رسالة وهدف المؤتمر، وهو تحجيم أهل السنة، ورفض الآخرين، حتى احتكر المؤتمرون مذهب أهل السنة والجماعة في المشاركين دون غيرهم، وهي سابقة تاريخية خطيرة في ظل صراع دموي بالمنطقة بعد أن تم زرع الجماعات الإرهابية لتغيير الهوية.
فمنذ قيام الثورة الإيرانية وما تلاها من حرب الخليج الأولى واحتلال الكويت وغزو العراق ظهر على السطح الصراع السني الشيعي، ثم ظهرت الأحزاب والجماعات والمليشيات الطائفية وتكاثرت حتى مزقت العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهي جميعها تحت مشروع الدمقرطة الأمريكية الموعودة حتى أصبحت المجتمعات منقسمة على نفسها، وانشغلت بذاته، فكانت وسيلة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وصرف أنظار العرب والمسلمين عن بيت المقدس والأقصى الشريف الذي يأن تحت وطأت المحتلين الصهاينة، فالمشروع الامريكي بالمنطقة هو المسؤول عن إذكاء الصراع بين المسلمين (سنة وشيعة)، فقد نشرت خارطة الشرق الأوسط الجديد عام 2006م، وهي خارطة قائمة على تقسيم المنطقة وتحويلها إلى كنتونات طائفية ومذهبية وعرقية!!.
هذا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي وضعت مشروع الصراع السني الشيعي، أما روسيا وهي اللاعب الجديد في المنطقة بعد التدخل السافر في سوريا وانطلاق طائراتها الحربية من القواعد الإيرانية بدعوى التصدي لتنظيم الدولة (داعش) كانت لها رؤية أخرى جديدة، فهي قد تبنت مشروع تقسيم أهل السنة والجماعة، فقد دعت عبر الشيشان مجموعة من علماء المسلمين للتعريف عن أهل السنة والجماعة؟!، وكأن هناك أشكالية كبرى في تعريف هوية أهل السنة والجماعة!.
في الوقت الذي يحاول فيه العالم التحرك لوحدة الأديان، أو وحدة المذاهب والثقافات خرج مؤتمر الشيشيان برعاية روسية لتجزئة المجزأ، وتقسيم المقسم، وتشتيت المشتت، فهو يتحدث عن هوية أهل السنة والجماعة، لا فكرهم ولا مذهبهم ولا تصحيح منهجهم، ومن أبرز مخرجات المؤتمر هو أن (أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علما وأخلاقا وتزكية على طريقة سيد الطائفة الإمام الجنيد ومن سار على نهجه من أئمة الهدى)، وهي توصية قائمة على الفرز والتصنيف والإقصاء، وتنم عن أزمة في الخطاب الإسلامي الجديد.
المؤتمر الذي عقد في العاصمة (غروزني) استثنى علماء المملكة العربية السعودية وهم المسئولون عن المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة المنورة، والذين يشهد لهم العالم بعلمهم ونزاهتم وتقواهم، بل وخوفهم على المسلمين والأمة، فقد جمعوا في عهد الإسرة المالكة بالسعودية المسلمين على إمام واحد، واستبعدوا جميع المنابر والزوايا من أجل وحدة الأمة، ومع كل ذلك تم استبعادهم لهدف واحد وهو إقصاء مذهب الإمام أحمد ومن سار على دربه كشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبدالوهاب والتي تنسب إليه الدعوة الوهابية إن صح التعبير!.
إن شعار المؤتمر (من هم أهل السنة والجماعة؟) الذي نظم تحت رعاية الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف جاء ليضعف المسلمين، وليحصرهم فقط في بعض المذاهب مثل الصوفية والأشعرية والماترويدية، والغريب أن يتم اختيار الشيشان الخاضعة للوصاية الروسية لتصبح مركزا لرصد ودراسة الفرق المعاصرة ومفاهيمها، الأمر الذي يكشف بأن هذا المؤتمر إنما هو مؤتمر سياسي وليس علمي وفقهي، ويهدف لمحاربة الإرهاب التي حاول المؤتمر إلصاقها بالوهابية أو السلفية في السعودية!!.
إن هذا المؤتمر يهدف لتمزيق الأمة من جديد، فبعد ما أحدثه الصراع السني الشيعي من فرقة وخلاف، يأتي هذا المؤتمر ليستهدف أهل السنة والجماعة، إن المؤتمر لا يخرج من أصابع إيران وروسيا، فكلا الطرفين له مصلحة في تمزيق الأمة وتشتيتها، فإيران تحاول إبعاد السعودية عن العراق واليمن، وروسيا هي الأخرى تحاول إبعاد السعودية عن سوريا ولبنان، وكل من إيران وروسيا يسيرون ضمن المشروع الأمريكي بالمنطقة وهو مشروع الشرق الأوسط الجديد!، والحقيقة أن الأمة سائرة في طريق الوحدة والإتحاد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها