النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

ناصر.. كم نحن بحاجتك يا رمز القوة والاتحاد

رابط مختصر
العدد 10044 السبت 8 أكتوبر 2016 الموافق 7 محرم 1438

اعتدت أن اكتب عن زعيم مصر والأمة العربية خالد الذكر جمال عبدالناصر في ذكرى وفاته من كل عام، وفي كل مرة أركن الى أفكاري عن هذا القائد الفذ، بطولاته، إنجازاته، لمصر والعرب وإفريقيا وكل شعوب العالم المقهورة تحت نير الإستعمار الأجنبي، وهو ما رفعه الى مصاف الزعماء الذين لا يموتون بموتهم الجسدي، فتظل ذكراهم وبطولاتهم ماثلة أمام الجميع على مر الزمن.. فقبل أيام مرت الذكرى السادسة والأربعون لرحيل ناصر عنا، ولكن الرجل وكما أسلفت لا يغيب، ولعلي اعتمد في كتاباتي اليوم عما كتبه المقربون من ناصر والمؤرخون عنه، ونقل صفات الزعامة في حق هذا الرجل حتى بعد نكسة 1967 التي لم تجهض أحلامه بضرورة خلق أمة قوية وإن كانت هذه النكسة أثرت عليه نوعا ما حيث تكالب الغرب للإنقضاض على «مشروع ناصر» الذي بدأه في عام 1952.. وقد أضيف هنا من عندي، إنه ربما يكون عبدالناصر أخفق في مواجهة إسرائيل في حرب 1967 بسبب مؤامرات كثيرة للنيل من عزيمته، ولكنه - ولهذا شهادة للتاريخ – لم يمت إلا وكان قد أعد العدة للجيش المصري استعدادا لمواجهة العدو، وهذا ما سنفرد له مساحة في مقالنا وكيف استعادت القوات المسلحة المصرية الثقة الكاملة لتحقيق نصر اكتوبر في عهد خلفه الرئيس أنور السادات.
لقد كتب سكرتير عبدالناصر وزير الدولة لشئون الرئاسة في عهده سامي شرف، نقلا عن فلاسفة وكتاب هنود وأوروبيين الكثير، ليصوروا المقومات التي اكسبت ناصر بريقا شخصيا جعلته قريبا من الرأي العام المصري والعربي والإفريقي والعالمي، فناصر فى التاريخ الحديث انحاز لمبدأ «الشعب أولا» فكان هذا عاملا رئيسيا في استمرار كاريزما هذا الزعيم الى يومنا هذا مما جعله «حبيب الملايين»، وهذا أيضا ما ردده نحو 7 ملايين مواطن شيعوه الى مثواه الأخير في يوم جنازته. وهنا نقرأ للكاتب الفرنسى جان لاكوتير عن ناصر الذى كان على صلة ومعرفة كاملة بشخص الرئيس منذ أن كان مراسلا لجريدة لوموند الفرنسية بالقاهرة، في كتابه «ناصر»، يصف أحداث تشييع جنازته:«إن هذه الجموع الغفيرة في تدافعها الهائل نحو الجثمان إلى مثواه الأخير لم تكن تشارك في تشييع الجثمان، لكنها كانت في الحقيقة تسعى في تدفقها المتلاطم للاتصال بجمال عبدالناصر الذي كانت صورته هي التجسيد المطلق لكينونتها ذاتها».
إنه ناصر الذي وصفه رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو:«إن ما أحبه في ناصر انه يتعلم دائما.. يتميز بصدق مطلق ونهمه متصل للمعرفة، وشجاعته حاضرة، وهذا ما جعله رجل الفكر والعقل والفعل المؤهل لقيادة أمة فى حقبة حاسمة». وسنظل مع ناصر في الهند، حيث قال عنه الكاتب الهندى ديوان برندرانات في كتاب «ناصر الرجل والمعجزة»: «إن التاريخ المعاصر للعالم العربي وخاصة مصر وتاريخ حياة ناصر لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر».. ويزيد الكاتب البريطانى توم ليتل:«قوة منطق ناصر مستمدة من قوة منطق التاريخ»..
يربط سامي شرف، ناصر بتراب الوطن وتاريخه، مما ساهم بصورة كبيرة في صياغة صورته الجماهيرية التزامه بقضايا الوطن ومسارعته بالدفاع عنها، وهذا ساهم أيضا في نفس الوقت في تصدير صورة ناصر الى بقية بلدان العالم، وينقل شرف عن الدكتور أنيس صايغ في كتابه «في مفهوم الزعامة السياسية من فيصل الأول إلى جمال عبدالناصر» جملة غاية في الروعة والتقدير لشخص ناصر، فكتب صايغ يقول: «استطاع عبدالناصر أن يمثل أغلبية الشعب تمثيلا صادقا، وأن يدافع عن الأمانى القومية دفاعا حقيقيا، واستطاع بواسطة تلك أن يتحول إلى رمز للحركة الوطنية المعاصرة.. إن زعامة عبدالناصر تختلف من حيث المادة التي تتركب منها، إنها تنبثق عن الشعب، عن مجموع طبقاته وفئاته وأفكاره.. وهي تنبثق عن أماني الشعب، عن مطالبه التي نادى بها منذ قرن على الأقل، وعن شعاراته التي رفعها منذ أن عرف العمل السياسي الحديث، وعن أحلامه التي أخذت تتراءى له منذ أن أقلقت باله كوابيس التخلف والاستعمار والتفرقة والفاقة، وعن تراثه وكيانه القومي ومصالحه العامة، إنها باختصار، تمثل أغلبية العرب».
شجاعة هذا الزعيم لم تأتِ من فراغ، فهي إحدى سمات شخصيته القوية مما زاد حب المصريين والعرب له، فكان الزمان فى السادس والعشرين من اكتوبر 1954، أما المكان فهو ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية المصرية..وأما الحدث – أو الحبكة كما يقول أهل الدراما – عندما انطلقت ثمانى رصاصات في سماء الميدان نحو صدر عبدالناصر، فلم يخش ولم يرتعش وإنما ظل واقفا صامدا يتحدى رصاص الغدر والاغتيال والقاتل.. لم يتراجع عن مكانه ولم يتوار خلف أو أسفل المقاعد ولكنه ظل واقفا بقوة وسط دوى الطلقات، وصاح قائلا للجماهير المحتشدة في الميدان: «فليبق كل في مكانه.. إنني حي لم أمت، ولو مت فإن كل واحد منكم هو جمال عبدالناصر.. ولن تسقط الراية».. حقا لم تسقط راية ناصر حتى يومنا هذا، ولا زلنا نكتب عنه وعن شجاعته وشخصيته التي استمدها من حب شعبه وشعوب المنطقة له.. حب وشعبية استند عليها ناصر على أساس من القناعة الراسخة بعظمة الجماهير التي يسعى لقيادتها وأمله في إمكانية تحقيق مستقبل مبشر ومشرق لها، جماهير وفرت له قاعدته الجماهيرية.
الأمثلة كثيرة، لا تعد ولا تحصى عن شجاعة هذا الرجل، وهو ما جعل المصريين والعرب ومعظم شعوب العالم يضعونه في مصاف كبار الزعماء، ويكفي ما حققه للمصريين على مدى فترة حكمه من انجازات عظيمة، ومنها على سبيل المثال قانون الإصلاح الزراعي، تأميم قناة السويس التي أعادت الكرامة للمصريين، بناء السد العالي وحماية مصر والمصريين من خطر الفيضانات، وإنشاء قاعدة صناعية مصرية عملاقة، ومجانية التعليم، والاهتمام بمجالات الصحة والثقافة والشباب، والكثير الكثير.
سبق وقلت أن ناصر لم يمت إلا وكان قد أعد العدة للجيش المصري استعدادا لمواجهة العدو الإسرائيلي، وها نحن نوضح ما كتبته في البداية، وكيف حققت القوات المسلحة المصرية النصر في حرب اكتوبر، وفقا لخطة ناصر التي توفاه الله وهو قد انتهي منها تقريبا بما مهد المجال للسادات للدخول في هذه الحرب وهو واثق من تحقيق النصر. فقد رفض عبد الناصر بعض المبادرات الدولية لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي سياسيا وأصر على عودة الأراضي العربية كلها وعلى الوصول إلى حل شامل لهذا الصراع.. وبناء على رؤيته لمفهوم الأمن القومي العربي الجامع لكل الدول العربية وإيمانه الكامل بأن المصالح العربية مشتركة وواحدة، فقد رفض بشدة أن يخرج من عروبته وأن ينعزل بمصر، لذا بدأ التخطيط لرد الاعتبار والثأر مما حدث في حرب يونيو 1967.. وكان أول ما صرح به، بل أكد عليه هو أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وقد منحه القدر منذ تاريخ النكسة وحتى وفاته في سبتمبر 1970، ثلاث سنوات أنجز فيها ما أدى لصنع أسطورة العبور.
قلت في البداية أني سأعتمد في هذا المقال على الكتب والمقولات وليس آرائي الشخصية في عبدالناصر، وهنا استعين بفقرات من كتاب المؤرخ المصري الشهير الدكتور جمال حمدان في كتابه «6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية» الذي قسم فيه الفترة ما بين الحربين (يونيو67- أكتوبر73) التي استمرت نحو ست سنوات ونصف السنة، الى أربع مراحل أساسية:
-الأولى: (الصمود)، بدأت من يونيو 67 حتى أغسطس 68، ومثلت مرحلة الدفاع الحذر حيث تخللتها معارك رأس العش وإغراق المدمرة إيلات الإسرائيلية بالتزامن مع بعض معارك جوية.
- الثانية: (الردع)، وبدأت من سبتمبر68 حتى فبراير 69، ومثلت مرحلة الدفاع النشط، وهي عبارة عن معارك المدفعية التي اتصل فيها التراشق بالنيران عبر القناة.. وكان من نتائجها بناء إسرائيل لخط بارليف الأول.
-الثالثة: (الاستنزاف)، وبدأت من مارس 69 حتى أغسطس 70، وتمثل مرحلة الهجوم الحذر، وتم تدميرالمصريين خط بارليف الأول بالمدفعية المكثفة المستمرة طوال شهرين، ثم توالى عبور الكوماندوز المصري ليلا ونهارا بقوات متزايدة ثم بلا انقطاع، ثم تكررت غارات الضفادع البشرية على موانئ العدو الإسرائيلي لتحرقها وتغرق سفنه فيها، بالاضافة الى الغارات والمعارك الجوية المتصاعدة لمواجهة غارات العدو المضادة على الجزر المنعزلة والعمق المدني إلى جانب جبهة القناة.
-الرابعة:(وقف إطلاق النار)، من أغسطس 70 - أكتوبر73، وقد اطلق عليها فترة «اللاحرب واللاسلم».. ويقول جمال حمدان إن القوات المصرية تفرغت للتدريب الداخلي النهائي والحاسم وإعادة بنائها وتطويرها للمعركة الكبرى، وتم إعادة البناء العسكري والاختبار الميداني للجيش، وأثبتت واعطت هذه المراحل مجتمعة الفرصة كاملة للقوات المسلحة المصرية للتدريب العسكري على أعلى مستوى، تدريب نابع من الإرادة القوية التي بثها ناصر في صفوف جيشه حيث أعاد زرع الثقة فيهم خلال الفترة التي سبقت وفاته، فكانت التدريبات الشاقة هي النموذج الحقيقي لأرض المعارك، مما أكسب الجيش المصري قدرات خارقة مكنته من تحقيق النصر في حرب اكتوبر.
الحديث عن ناصر ومساهماته في بناء مصر الحديثة يطول ويطول، ونكتفي بما أوردناه في ذكرى وفاته الـ46 ورحيله عن عالمنا، ولكن رحيلا أكسبنا قوة وإصرارا على استكمال الطريق نحو النصر، ولعلي أضيف هنا أن انتصار مصر والعرب في حرب اكتوبر يؤكد لنا ضرورة أن يعيش العرب متحدين وعلى قلب رجل واحد، وليسوا متشرذمين، متفرقين، وقد أثبتت لنا السنوات الأخيرة، أن عدونا واحد لا يتغير، هذا العدو هو الفرقة، فالفرقة أضاعت العراق وسوريا واليمن وليبيا.

كلمة أخيرة.
لكل العرب..... صدى العرب
شهدت القاهرة أمس الأول انطلاق موقع «صدى العرب» أحدث الأصوات العربية في عالم الصحافة والإعلام، ليكون صوتا حرا ومحايدا لقضايا العرب جميعا من الخليج للمحيط..صوت لن ينحاز لطرف ضد آخر، بل يتميز بتكافؤ الفرص لعرض وجهات نظرهم بدون تدخل من إدارة الموقع.
لقد قرر مسؤولو الموقع اطلاقه في السادس من اكتوبر ليتزامن مع ذكرى انتصارات العرب في هذه الحرب المجيدة التي شهدت لهم بالقوة والعظمة ولإضافة علامات بارزة جديدة الى تاريخهم المجيد..وهكذا نعمل على أن يكون موقع «صدى العرب» علامة بارزة ومتميزة في عالم الإعلام العربي الحر.
لم يمكن انطلاق «صدى العرب» في هذا التوقيت مجرد إضافة للمواقع التي تملأ الفضاء الألكتروني، وإنما وبصفتي مديرا عاما للموقع أتعهد وكل زملائي الأفاضل على أن نكون ناطقين باسم كل العرب في كل مكان، معبرين عن أمانيهم وتطلعاتهم، لنكون موقعا متميزا يلبي رغبات العرب في المعرفة والاطلاع على كل ما هو جديد في عالم الأخبار. ليس هذا فحسب، فنحن سنقدم للقارئ العزيز وجبة دسمة من الأخبار والحوارات السياسية والاقتصادية، ناهيك عن المقالات الهادفة بما يلبي نهم كل مواطن عربي في المعرفة.

كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها