النسخة الورقية
العدد 11058 الجمعة 19 يوليو 2019 الموافق 16 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:26AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

قانون «جستا» الأمريكي: مقاربة مختلفة

رابط مختصر
العدد 10042 الخميس 6 أكتوبر 2016 الموافق 5 محرم 1438

أثار «رفض مجلس النواب الأمريكي بأغلبية كاسحة، يوم الأربعاء الموافق 28 سبتمبر 2016، الفيتو الذي استخدمه الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ضد مشروع قانون يتيح لأقارب ضحايا هجمات 11 سبتمبر/‏أيلول 2001 بمقاضاة السعودية في أول إسقاط لفيتو رئاسي خلال فترة حكم أوباما، ونسبة نتيجة التصويت (التي نالها، حيث) رفض 338 نائبا للفيتو مقابل 74، وهو أكثر من أغلبية الثلثين التي يحتاجها مجلس النواب لإسقاط الفيتو»، موجة من ردود الفعل الدولية المتباينة، بين التهليل والشماتة والامتعاض.
ورغم الأهمية التي تمثلها ردود الفعل تلك، إذا ما اختيرت لتحديد لقياس مسافة العلاقات، أو بالأحرى وزن وقيمة التحالفات التي يمكن أن تفصل بين كل واحد من أصحابها في الكتلة العربية وواشنطن، فإن ما يفوقها في أهمية هي تلك الدلالات التي يحملها ذلك السلوك الأمريكي أولا، والمشروع العربي السليم، المؤثر، والبعيد عن الانفعال الآني المطلوب، والقادر على احداث النقلة النوعية المطلوبة في مسار ومستقبل العلاقات العربية، وتحديدا السعودية منها - الأمريكية ثانيًا.
يأتي في مقدمة المدلولات التي نتحدث عنها، أن قرار رفض الفيتو الرئاسي جاء من أعلى سلطة تشريعية في الولايات المتحدة، وليس هناك مجال للتبرير، أو التقليل من خطورة مثل هذا القرار، من حيث انعكاساته على الطرف الذي سيتلقى تأثراته عن بدء العمل به، والذي هو الرياض. ومن ثم فحتى لو نجحت محاولات تجميده، أو تأجيل تنفيذه، فذلك لا ينفي إطلاقًا سوء النوايا التي تحملها المؤسسة المؤثرة في صنع القرار الأمريكي في شقها التشريعي ضد السعودية.
أما ثاني تلك الدلائل فهي أن الولايات المتحدة، لم يعد في وسعها التردد، انطلاقا من أنانيتها المفرطة، الدخول في معارك علنية مع أقرب حلفائها، وهي السعودية، إذا ما أرادت تغيير خارطة سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط. وكما يبدو، عند قراءة قرار الكونغرس الأمريكي، حتى في حال التراجع عنه، هناك تحول نوعيا في خارطة التحالفات الأمريكي - الشرق أوسطية ليست لصالح الكتلة العربية فحسب، بل وفي صالح غريمها الكيان الصهيوني، ومنافسها الإيراني.
وثالث تلك المدلولات أن واشنطن في عجلة في أمرها من أجل حث خطى مشروعها الشرق أوسطي، ومن ثم فهي على استعداد، وربما مضطرة، أن توسع من عملياتها ضد أي من يقف في وجهها. ومن ثم لم تعد المعارك التي باتت تخوضها الولايات المتحدة مقتصرة على منافساتها من الدول العظمى مثل روسيا، أو حتى القوى الإقليمية الكبرى مثل تركيا، بل ربما يصل الأمر إلى دول مثل السعودية، وربما أصغر من ذلك كثيرًا.
على أن أهم تلك الدلائل هي علامات الوهن التي باتت تدب في جسد الإمبريالية الأمريكية، وتطفو على جلدها، بفضل الضربات المتلاحقة التي تلقتها واشنطن خلال السنوات العشرين الماضية، وعلى كل المستويات الاقتصادية والسياسية، بل وحتى العسكرية، الخارجية منها والداخلية. فعلى المستوى العسكري الخارجي، هناك تخبطها المستمر في إعادة استراتيجيتها العسكرية في بلدان مثل أفغانستان والعراق نتيجة الهزائم المتلاحقة التي تلقتها على أيد قوى مختلفة في تلك الدول، فهي تارة تحصر مشاركتها في الخبراء والمستشارين، وتارة أخرى في مد حلفائها بالمعلومات، وأحيانا تتوسع الدائرة كي تصل إلى المشاركة بالقوات البرية والجوية. وعلى المستوى الاقتصادي هناك ما أصبح يعرف باسم أزمات القطاع العقاري في نهاية العقد الأول من هذا القرن والتداعيات السلبية التي خلفها وراءه، والتي لم يتشاف منها بعد ذلك الاقتصاد المتعثر. أما على المستوى السياسي فتكفي الإشارة إلى ذلك التحول الدرامي في العلاقة التي حكمت علاقاتها مع طهران، والتي انقلبت 180 درجة، كي تنقل طهران من محور الشر إلى موقع الصديق.
وعليه، وبخلاف ما ذهب إليه البعض من تخويف الرياض أولا والعرب ثانيا من خطورة ذلك القرار عند تنفيذه، فالحقيقة تكشف التخبط الذي باتت تعاني منه الاستراتيجية الأمريكية، وخاصة في شقها الخارجي جراء الضعف المستشري في جسدها، ومن ثم فالدرس الذي ينبغي ان نستقيه نحن العرب، هو أن واشنطن اليوم، لم تعد تلك القوية الفتية التي عهدناها منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية، عندما تصدت للكتلة السوفياتية، ونجحت في تقويض دعائم تلك الكتلة. ربما احتفظ العملاق بجثته الضخمة لكنه يقف على قدمين من طين.
القرار يكشف تخبط الولايات المتحدة، أكثر من أي شيء آخر، بفضل تلك الأمراض التي باتت تنهش عضلاتها.
لكن الأهم من تشخيص الهبوط في ترمومتر القوة الأمريكية، هو ذلك الضعف الآخر التي تعاني منها الكتلة العربية المتضررة الأولى من ذلك القرار، والتي اعتمدت عليها واشنطن كثيرا عندما تجرأت وأفصحت عنه. ومن ثم فلم يعد الأمر يحتمل تلكؤ الكتلة العربية في الرد الذي ينبغي أن يكون بعيدا كل البعد عن الانفعال العاطفي، او الاندفاع العشوائي.
لقد بات تعقيد نسيج العلاقات السياسية الدولية في منطقة الشرق الأوسط، ، وتعدد القوى المنخرطة في عملية كتابة سيناريوهات مستقبل هذه المنطقة، وفي القلب منها الكتلة العربية يتطلب بروز مشروع عربي قوي قابل للتحقيق، ويحمل المقومات الضرورية التي تكفل له الثبات والاستمرار على حد سواء.
لكن ما يحز في النفس أنه، وكما تكشف الأوضاع العربية، ليس هناك ما هو أسوأ من الضعف الأمريكي الذي نتحدث عنه، والذي أدى إلى تخبط واشنطن، سوى الوهن العربي والذي يفرض نفسه بكل جلاء على ردود الفعل العربية، ليس على القرار الأمريكي فحسب، الذي ربما لا يرى النور، ولكن تجاه المشروعات الملقاة على طاولة العلاقات الدولية التي يغطي سطحها مفرش خارطة الشرق الأوسط.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها