النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

خياراتنا المستقبلية

رابط مختصر
العدد 10041 الأربعاء 5 أكتوبر 2016 الموافق 4 محرم 1438

 ضمن المراسلات اليومية «الواتسابية» المنهمرة من كل حدب وصوب وبسيولة غير مسبوقة لفتت نظري واحدة منها استلمتها من ابنة عمي، وهي صورة لرئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين، وقد بدا فيها بعد تغييرات «فوتوشوبية» أظهرته في صورة العراقي أو السوري شكلا فيما الواقع يقول إنه كان ينبغي أن يظهر بمظهر الإيراني المذهبي الطائفي المعتمر عمامة، لكنه كان لابسًا الغترة والعقال وملتحفا «بشتا» لا يبدو أنه بشتنا الخليجي المعروف بتطريزاته المعمولة من خيوط «الزري» أي بالخيوط الذهبية، ورغم ذلك فقد كانت رمزية اللباس، كما أرادها مخرج الصورة، دالة بما فيه الكفاية بانحياز بوتين إلى أحد المذاهب الإسلامية. وأعتقد أن هذه الصورة وجدت مكانا لها في الأسبوع المنصرم في جهاز كل من لديه «واتسآب»، وأثارت لديه من الأسئلة ما يكفي رغبة في قراءة التحولات في السياسة الدولية ومعرفتها.
 وبدواعي المقارنة السريعة التي تقتضيها الكتابة على «الواتسآب»، بين الاتحاد السوفيتي وروسيا الاتحادية، المبنية على وقائع الدم المسال يوميًا بعبثية مجنونة مطلقة من تحت ركام المباني التي تدك على رؤوس ساكنيها من الأطفال والشيوخ والنساء الأبرياء، بين الاتحاد السوفيتي في أمسه الآفل وحاضر روسيا التي يبدو أن صعودها يأتي في أحد مشاهده الأكثر دموية في تاريخ الروس على حساب الحس الإنساني، أرادت بها مرسلة الصورة، «الواتسآب» إبنة العم من خلال كلمات أربع وردت تحت الصورة على هذا النحو: «خرب سمعة الاتحاد السوفيتي»، والمقصود هنا فلاديمير بوتين. فما مدى وجاهة هذا الرأي؟
 الحقيقة لا تعليق لدي على ما كتب تحت صورة الرئيس الروسي، فما كتب تحت الصورة، في ظني، ما هو إلا تكثيف لرأي استطعمت من خلاله بقية من نكهة يسارية معتدلة استعصت لدى صاحبتها على التواري وفاء للزمن الجميل، وهو رأي يذهب في نهاية المطاف إلى ذرف لوعات الحسرة والندم على كيان لن يعود أبدًا، وإنما تعليقي سوف ينحصر على صاحب الصورة نفسه، على فلاديمير بوتين. هذا الرئيس عايش حقبتين بنظامين مختلفين تبوأ في كليهما مسؤوليات عليا، في الأولى كان رجل مخابرات فيما كان يعرف بالـKGB في الاتحاد السوفيتي تحت إمرة واحد من أكثر المخابراتيين الروس دهاءً، والثانية يتبوأ فيها اليوم أعلى منصب سياسي، رئيس جمهورية روسيا الاتحادية، وهي الحامل الاقتصادي الأهم لذلك الاتحاد الذي غدا في ذاكرة التاريخ يتحسر على مغادرته المشهد الإنساني ليستقر خلف الشمس من يتحسر، ويمتلئ بالفرح قلبه على هذه النهاية من يمتلئ. وأعتقد أن فترة خدمة بوتين في الـKGB نفعته كثيرًا في معرفة ما ينبغي أن يعرفه مما يجري في مطبخ البيت الأبيض ودوافعه السياسية والاقتصادية والنفسية، ويقدر بدقة متى يكون البيت الأبيض ومن خلفه البنتاغون جادين في التدخل في بؤر النزاعات الدولية، ومتى يكون الحديث حول هذه المشكلة أو تلك جادًا ومتى يكون للاستهلاك الإعلامي.
 الرئيس بوتين استثمر جيدا حالة التردد التي اتسمت به سياسة الرئيس الأمريكي أوباما، وظن أنه قد حان لهوايته المتمثلة في ممارسته للعبة الجودو أن تنعكس على الساحة السياسية، اعتقادا منه أن الساحات غدت مفتوحة للمنافسة بإظهار القوة العضلية على حساب الحس الإنساني المتراجع في ظل السعي باتجاه المصالح بعمى مطبق. فلاديمير بوتين حقق حضورًا على مسرح الأحداث في أكثر من مكان ومنها أحداث سوريا ولكنه حضور على أشلاء ضحايا، وعلى دمار بلد عن بكرة أبيه للأسف. فإذا كان ليس مستغربا وقوف روسيا إلى جانب النظام السوري باعتباره حليفًا استراتيجيًا على مدى أعوام، وجزيئا باقيا من إرث الحرب الباردة والنفوذ السوفييتي في المنطقة، فإن من المستغرب حقيقة وقوف الولايات المتحدة موقف المتفرج على الأوضاع الإنسانية المتردية ورفع يديها عن المساهمة في دعم حلفائها التاريخيين في المنطقة العربية. والأمر لا يقتصر على امتناعها عن الدعم وإنما منع وصول الدعم اللازم إلى المعارضة السورية والمتمثل في نوع السلاح الذي يستطيع مواجهة آلة الحرب الروسية المتطورة. هذا المنع يضع كثيرًا من علامات الاستفهام على علاقة الأمريكان بالعرب.
 العرب ومنهم من تربطه علاقات تحالف وصداقة قديمة، وبالأخص دول مجلس التعاون بقيادة المملكة العربية السعودية، ومنذ خمس سنوات يتوسّلون أمريكًا بأن تبدي موقفا إنسانيا يستجيب لضرورات وقف الدم المسفوك في سوريا، ولكن لا مجيب. ومن المضحكات التي تسجل على موقف الإدارة الأمريكية وبالذات وزارة الخارجية هو أنها تدع جانبًا ما يجري في سوريا والذي يمثل أوضح انتهاك لحقوق الإنسان على مستوى نظام بشار الأسد أو على مستوى المتدخلين من روس وإيرانيين ومن كافة المليشيات المذهبية التي وجدت لها مرتعا تمارس فيه طائفيتها ضد الأغلبية السنية هناك، لتتحدث عن عيسى قاسم، هذا الشخص المهووس مذهبيا، الضالع في التردي الأمني الذي شهدته مملكة البحرين على مدى خمس سنوات. من يكون عيسى قاسم وماذا يمثل أمام جحافل الموت التي تعيث في الأراضي السورية؟
 أمريكا غير صادقة مع قضايا العرب وحان وقت التفكير جديا، بعد العمل على تقوية الذات والاهتمام بالعنصر البشري في إحداث التنمية المطلوبة في كل المجالات، في البحث عن بدائل يحصل العرب منها على ما يساعد هذه التنمية ويقلل الاعتمادعلى الولايات المتحدة الأمريكية، فخلاصنا حتمًا لن يأتي منها مهما كانت لنا عليها أياد بيضاء، لأن المنطق الأمريكي مبني على قانون لا أظن بلاد العم سام مستعدة للتخلي عنه: «لا وجود لصداقات دائمة، ولا لحلفاء دائمين، فالدائم الأوحد مصالحنا».
 أنا على يقين بأن سياسيينا ودبلوماسيتنا يدركون حقيقة هذا الواقع ويعملون في ضوئها لنكون يوما ما أصحاب قرار فاعل على بلورة رؤية توحد العرب في مواجهة كافة الاحتمالات المترتبة على الانهيارات في العلاقات البينية بين الدول، لبناء علاقات جديدة ناظمة لها. ولعل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي من الخيارات الدولية المتاحة التي ينبغي أن تعمل دولنا على تحييدها لتقليل كلفة العلاقات الحصرية وأوجاعها المتوقعة وغير المتوقعة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها