النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

الجهد جماعي تراكمي...

رابط مختصر
العدد 10034 الأربعاء 28 سبتمبر 2016 الموافق 26 ذي الحجة 1437

 لن آتي بجديد عندما أقول إن مخرجات التعليم لن تكون مقنعة بما فيه الكفاية لأفراد المجتمع على اختلافهم، ولن تنال رضاهم أبدًا إلا إذا جُددت المناهج لتواكب إيقاع العصر، وأُحكم إعداد المعلمين المهرة، وأُتقن تصميم وسائل التعلّم ووسائطه، وأُرسيت ثقافتا العمل والجودة في كل الهياكل الفاعلة في الشأن التربوي التعليمي. غير أن هذه المحددات وإن كانت جوهرية تبقى دائمًا في حاجة إلى بيئة تعليمية جاذبة وملهمة ومحفزة وملبية لاحتياجات المتعلم المادية والعاطفية تتفاعل ضمنها العناصر السالف ذكرها لتُصبح منتجة ناجعة في الحصول على متعلم متميز، وهذا ما يعني أن حاجة مخرجات التعليم الجيدة إلى توافر بيئة تعليمية تعلمية جيدة معادلة لا بد من ضمانها. وأظن في هذا قولاً لا يجادل في صحته أحد. غير أن ما يمكن الحديث عنه، ويكون تأثيره واضحا في هذا الجانب، هو القدرات الاقتصادية للدولة التي تحدد مستويات الجاذبية والإلهام والتحفيز المراد أن تكون عليها البيئات التعليمية بالمدارس. أما ما عدا ذلك فهو مرهون بالقدرات والكفاءات والمواهب الإدارية والتربوية التي صنعتها برامج تدريب الوزارة وضختها في المدارس بدرجة أساسية. نسوق هذا الكلام تحوطا لما قد يثيره موضوع المقالة هذه عن البيئات التعليمية من جدل حتى وإن كان هذا الجدل صامتًا.
 بهذا المعنى يقتضي منا الإنصاف القول إن وزارة التربية والتعليم، ورغم محدودية موارد البلاد الاقتصادية والتحديات المترتبة على ذلك، فقد صرفت أموالاً ووقتًا وجهدًا، واجترحت مبادرات ومشاريع تربوية في سبيل تجويد البيئة التعليمية التعلمية لأطفال مملكة البحرين وعدة مستقبلها لضمان مخرجات تعليمية تستجيب لميولهم أولا، وطموحات المجتمع من بعد، وتفتح لخريج المدرسة آفاقًا متعددة لاختيار طريقه في الحياة. فملامح الخريج قد نحتتها المناهج الدراسية للوزارة في ضوء رؤية استشرافية يكفينا شاهدا عليها رؤية مملكة البحرين الاقتصادية والاجتماعية 2030. فإذا ما أراد هذا الخريج أن ينخرط في سوق العمل فمن الواجب على الوزارة أن تهيئ له الظروف لاكتساب الحد المناسب المطلوب من القدرات والمهارات والمعارف والقيم والاتجاهات؛ أي تملّك الكفايات التي تعينه على النجاح في عمله، وإذا ما اختار إكمال الدراسة الجامعية فإنه سيكون قادرا على ذلك لامتلاكه الأساسي من المعارف والكفايات اللازمة. وفي اعتقادي أن المدرسة البحرينية تسير بثبات في هذا السبيل المؤدي حتما إلى النجاح والتميز خاصة في ظل الدعم اللامحدود من القيادة السياسية في المملكة، ولا أظن أن المدرسة البحرينية قد بلغت في فترة من فترات تاريخها العريق ما بلغته الآن من نجاح وتألق.
 تخصيص الحديث عن البيئات التعليمية بالمدارس في مقالة اليوم أسست له اللحظة التي سلم فيها الدكتور الفاضل ماجد بن علي النعيمي جائزة «جودة التعليم» إلى مدرسة آمنة بنت وهب والمقدمة من الملتقى الحكومي 2016، لحصول المدرسة على تقدير «ممتاز» في نتائج مراجعات الهيئة الوطنية للمؤهلات وضمان جودة التعليم والتدريب ثلاث دورات متتالية. هذه المدرسة التي ستكون بالقطع دافعا للمدارس الأخرى بأن تجد وتجتهد وتلمّس طريق النجاح الصحيح المفضي إلى مخرجات تعليم حقيقية ينتفع بها المجتمع لتحظى بمثل هذا التكريم العالي.
سعادة وزير التربية والتعليم قد طرح ملاحظة لافتة عند تسليم الجائزة قائلاً: «إن النجاح الذي حققته مدرسة آمنة بنت وهب هو نتاج عمل تراكمي جماعي». نعم إنه عمل تراكمي جماعي أنتج تميّزًا استحقت من أجله المدرسة تكريمًا.
 وهذه الملاحظة تعني فيما تعني أن منسوبي الوزارة، كل من موقعه، قد أسهم بقسط لكي يبلغ التميز مبلغه في هذه المدرسة المثال، وهي في الآن نفسه بمثابة الدعوة المرسلة للهيئات التعليمية والإدارية بالمدارس لتبذل جهودا مضاعفة لخلق بيئات مدرسية منتجة تضفي على عملية التعلم المتعة والتحفيز. بيئات تجعل الأطفال المنتمين إليها دائمي الشوق والحنين إلى مدرستهم وإلى صفهم وإلى الالتقاء بزملائهم وأساتذتهم. ولكن ينبغي أن نعي بأن خلق البيئات التعليمية المناسبة، كما قال الوزير الفاضل، عمل جماعي تشاركي في المقام الأول. ولهذا نرى القيادات التربوية بالوزارة لا تكف عن العمل على رفد الميدان التربوي بالمشاريع التي من شأنها المساعدة على النهوض بالتعليم، وقد كان مشروع تحسين أداء المدارس واحدًا من هذه المشاريع الكبرى التي أسهمت في نمو الوعي بأهمية الاهتمام بتجويد بيئات التعليم بالمدارس.
 بدأت وزارة التربية والتعليم تنفيذ مشروع تحسين أداء المدارس في عشر مدارس بداية في العام الدراسي 2008/‏2009، واليوم أصبحت كل المدارس مشمولة بالمتابعة من قبل الهيئة. وهذا المشروع يتكون من تسعة محاور هدفت الوزارة من خلالها إلى تحسين أداء الهيئات الإدارية والتعليمية بالمدارس بحسب معايير الهيئة الوطنية للمؤهلات وضمان جودة التعليم والتدريب لينعكس ذلك بالضرورة على جودة مخرجات العملية التعليمية. وقد لاح تأثير هذا المشروع، بحسب معطيات أداء المدارس التي تسجلها هيئة ضمان الجودة، واضحا في تحسين أداء المدارس؛ مما يعني النجاح في سبيل السعي إلى خلق بيئات تعليم مدرسية جاذبة محفزة إلى التعلم والعمل ونحت الكيان والعيش معًا. وقد كان آخرها التقرير الذي أظهر أن 61 مدرسة حصلت على تقدير ممتاز أو جيد، وهو عدد من المدارس معقول قياسا إلى حداثة هذا المشروع التقييمي، فعمره اليوم لا يزيد على ثماني سنوات.
 يبقى الجزء المتعلق بالمجتمع؛ إذ عليه أن يدفع بعملية تحسين البيئات التعليمية بمدارس البحرين في مختلف المحافظات، وينتقد كل العوارض المصطنعة والتي من ضمنها خنق التعليم بالعمليات التخريبية التي لم تتوقف منذ فترة على المنشآت التعليمية. وينبغي على المنتقدين، إذا كانت دوافعهم وطنية أن يتحلوا بالمصداقية، ويخلعوا عنهم نزعة الانتقاد التي يتبناها البعض ممن يحمل أهدافا سياسية يريد تسويقها في المجتمع حتى وإن كان ذلك على حساب مستقبل التلاميذ. فالمبالغ التي تصرفها الوزارة على إصلاح وإعادة بناء المنشآت والمرافق التي تعرضت إلى تخريب متعمد، هي في الواقع مبالغ كان من الممكن توجيهها إلى تحسين مستلزمات الدراسة.
 قلنا إن الوزارة أسهمت بشكل فاعل في دعم المدارس، كل المدارس، ولكن بقي شيء واحد على أعضاء الهيئات الإدارية والتعليمية أن ينخرطوا في البرامج التدريبية المختلفة التي توفرها لهم الوزارة في مختلف المجالات؛ لأن التدريب والممارسة العملية وحدهما المسعفان على الانخراط التام في جهود الوزارة الرامية إلى تحسين البيئات التعليمية التعلمية، والدخول بالتالي في المنافسة التي تنتج تعليما ذا مخرجات عالية الجودة؛ ذلك أن جذب المتعلم وتحفيزه هو الجزء الأهم في العملية التعلمية، وهو في تقديري، ما لا تملك الوزارة، أي وزارة تربية وتعليم في العالم، شراءه جاهزا من أي مكان، وإنما هو من صنع المتشاركين في عملية التعليم.
 بلوغ الكمال غاية لا تُدرك في مجال التعليم، وهو مجال يحفل بالمتغيرات اليومية على كل صعيد، ويصطدم بالمعيقات الاقتصادية والسلوكية، إن على مستوى المدرسة أو المجتمع، ولكن السعي إلى هذا الكمال والوقوف على سكته هو ما يُفضي إلى بلوغه أو بلوغ درجة من درجاته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها