النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

كتاب الايام

انقلاب «جاستا» الأمريكي على العرب... فليشرب الأمريكيون من البحر

رابط مختصر
العدد 10030 السبت 24 سبتمبر 2016 الموافق 22 ذي الحجة 1437

قرأت كثيرًا عن مشروع قانون «جاستا» الأمريكي أو ما يطلق عليه «العدالة ضد رعاة الإرهاب» الذي أقره الكونجرس الأمريكي بموافقة مجلسيه الشيوخ والنواب بأعضائه الجمهوريين والديمقراطيين. وقبل التعليق عليه اليوم، لا أكترث بما كتبه البعض وأثاروا فزعنا منه وأدخلوا الرعب في قلوب العرب عمومًا والسعودية خصوصًا، فمشروع القانون لا يهمنا في شيء، وأراه مسألة محلية أمريكية بحتة ولا يجب أن يخيفنا ولا أن نخشاه، فالأمريكيون لا هم لهم سوى ابتزاز العرب شعوبًا وحكومات وقيادات، والأمريكيون لا يريدون لنا أن نعيش في سلام، فهم يريدوننا فقط تحت أقدامهم، ولا يجب أن يغضب مني أحد من هذا التعبير، فهذا ما يريده الأمريكيون لنا، هم يرون أن «وضعنا» يجب أن يكون تحت سيطرتهم تمامًا وأن نكون في حالة هلع وفزع منهم، ورأيي هو أنهم إذا أرادوا تطبيق هذا القانون الناقص فليطبقوه داخل بلادهم وليس بلادنا فهو غير صادر عن الأمم المتحدة..

مشكلة الأمريكيين انهم يعملون «زيطة وزمبليطة» مثل التعبير المصري، وهذا لتحقيق مرادهم الخاص بتأليب الشعوب العربية ضد قادتهم، ورسالتي هي أن يتركونا في حالنا، وأن نبادر نحن العرب جميعًا بإعطائهم درسًا في القانون الدولي ونقلب عليهم الطاولة، وهذا لن يأتي سوي بتكاتفنا جميعًا ومطالبة الأمم المتحدة بارغام الحكومات الأمريكية المتعاقبة بأن تدفع لنا تريليونات الدولارات تعويضًا عن تخريبهم للدول العربية وقتل شعوبها، وأتحدث تحديدًا عن حقوق العراق والعراقيين، اليمن واليمنيين، ليبيا والليبيين، فلسطين والفلسطينيين، الصومال والصوماليين، وشعوب اخرى مثل أفغانستان وفيتنام ولاوس وكمبوديا واليابان.. والى التفاصيل كما يقولون في نشرات الأخبار.


ما يجب التأكيد عليه حتي وقتنا الراهن، أن «جاستا» لا يزال مجرد مشروع قانون وافق عليه الكونجرس الأمريكي كما ذكرت، وهو يعد انقلابًا قانونيًا يقوده برلمان محلي على المبادئ القانونية المتعارف عليها دوليًا، لأن ما أقره هذا الكونجرس، ليس سوى خروج على الحصانات السيادية للدول، ويضعه في مقام «المجلس التشريعي العالمي»، أي برلمان دولي، وليس للولايات المتحدة، وهذا أمر غير موجود في العالم بالقطع.


وبغض النظر عما سيكون عليه موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما من المشروع - رفضه أم وافق عليه وهذا مستبعد حاليًا - فإن المشروع سيخرج الى النور سواء في ولاية أوباما أو من سيخلفه، لأنه في حالة رفضه حاليًا سيعاد طرحه على الكونجرس ويتطلب اعتباره قانونًا موافقة ثلثي أعضائه وهو أمر سهل مع حالة الميوعة التي نراها من نواب الشيوخ والنواب حاليًا.
نعلم يقينًا أن المشروع يجيز لضحايا الأعمال الإرهابية التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية (والمقصود تحديدًا تفجيرات 11 سبتمبر 2001) أو لعائلاتهم مقاضاة حكومات أجنبية - السعودية تحديدًا - والحصول على تعويضات مالية عن الأضرار الناشئة عن هذه الأعمال الإرهابية. 


المثير للدهشة أن من وضع هذا المشروع يريدون تنصيب الكونجرس الأمريكي مجلسًا تشريعيًا دوليًا يتولى إصدار تشريعات ملزمة لدول العالم، وبما يمنح المحكمة العليا الأمريكية ولاية تطبيق هذه التشريعات في مواجهة دول أجنبية ذات سيادة؟.. وهذا أمر خطير يجب تضافر الجهود الدولية لمناهضته، بمعنى أنه لا يهمنا نحن العرب فقط ولكن بقية بلدان المجتمع الدولي مجتمعة، فمن الخطورة بمكان أن يترك العالم الولايات المتحدة تحدد لهم من هو الإرهابي من الجيد، الشرير من الطيب، وأن تتولى المحكمة العليا الأمريكية مسؤولية تطبيق الأحكام على الدول وليس الأفراد.

فهذا المشروع بالإضافة الى مخالفته للحصانات الدبلوماسية المعترف بها للدول ذات السيادة وفقًا للقانون الأمريكي نفسه الذي لا يجيز مقاضاة حكومة دولة أجنبية أمام المحاكم الأمريكية، فهو يضيف بنودًا للقانون الأمريكي بمحاكمة الأفراد والمنظمات والحكومات الأجنبية أمام المحكمة العليا الأمريكية، تحت أي شبهة سواء عن عمد أو تقصير في توفير الدعم المالي، الفني، بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأشخاص أو منظمات بما ينطوي على خطر ارتكاب أعمال إرهابية تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، أو أمن مواطنيها، أو سياستها الخارجية أو اقتصادها. 


كما أنه من الخطورة بمكان الاعتراف بهذا القانون الذي لا يستند الى أي أساس قانوني لمساءلة (دولة) عن أفعال إرهابية ارتكبها (أفراد) يحملون جنسية هذه الدولة، هذا بدلاً من محاكمة الإنسان نفسه بما أنه هو الذي ارتكب جريمة إرهابية، خصوصًا وأن الولايات المتحدة اعتقلت معظم المشاركين في (تفجيرات 11 سبتمبر 2001) وعذبتهم في جوانتنامو، أي أنها اقتصت منهم في الواقع ثم وزعتهم على معتقلات أخرى في بلدانهم. بمعنى أن الولايات المتحدة هي التي فرطت في الإرهابيين وكان بيديها محاكمتهم محاكمة قانونية شرعية وليس فقط تعذيبهم بما يخالف قواعد حقوق الإنسان التي تتشدق بها يوميًا.. ولكن للأسف، فالقانون الأمريكي المقترح يضع الدولة التي ينتمي اليها مرتكبو الجرائم الإرهابية، في مقام الفاعل الذي ارتكب هذه العمليات، وهذا خطأ بالغ.


يبدو أن المشرع الأمريكي يرى نفسه الأكثر ألمامًا بالقانون الدولي بما يضعه فوق مستوى البشر من بقية دول العالم، حينما أورد بمشروع قانون «جاستا» فقرات تجنب توجيه أي دول في العالم نفس العقوبة للولايات المتحدة، ويبدو أن هذا المشرع وضع في باله وهو يعد لهذا القانون العراق وأفغانستان واليمن وليبيا، لما اقترفته القوات الأمريكية بأوامر مباشرة من البيت الأبيض من جرائم ضد شعوب هذه الدول.

ولهذا تنبه الكونجرس الأمريكي واستبعد تطبيق القانون على ما تضررت منه الشعوب والدول جراء أعمال الحرب Acts of war.. في حين وكما قرأت من متابعات قانونية، فإن هذه الدول المتضررة من أعمال الحرب الأمريكية بإمكانها تطبيق بنود نفس القانون على جرائم الحرب Crimes of war، هذا مع العلم بأن الولايات المتحدة ترفض حتى الآن الانضمام لنظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، تجنبًا لأن تطالها هذه الجرائم. 


قلت في البداية، ليس علينا أن نخاف أو نخشى من مثل هذه القوانين الافتراضية، فنحن أمة خليجية لا تخشى في الحق لومة لائم، ونحن أمة خليجية لا تتعامل مع العالم عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا كتابع ومتبوع، نؤمر فنطاع، ولكن الذي يحكم العلاقة بيننا هي المصالح المشتركة، رغم إدراكنا أن واشنطن - وكما هي عادتها - تبيع حلفاءها الاستراتيجيين ولسنا بحاجة الى تعداد مواقفها مع حلفائها على مر التاريخ الذين تخلت عنهم في لحظة، فهم كثر. وندرك أن الأمريكيين لم يعودوا أصدقاء، ليس السعودية فقط ولكن لكل دول الخليج، وتدرك واشنطن أن كل دول الخليج تقف قلبًا وقالبًا مع السعودية، تفعل ما تفعله الرياض، فإذا ابتعدت المواقف بين السعودية وأمريكا فطبيعي ألا نتخلى عن السعودية.


بدأت وقلت، إنه علينا ألا نخشى مثل هذه القوانين الأمريكية، فالذي دفع الأمريكيين للتفكير في مثل هذه الاجراءات الانتقامية هو أن السعودية أصبحت مشروعًا قوميًا ضخمًا صعب النيل منه، فهي لا تدير الحرب في اليمن ضدالحوثيين فقط وإنما تواجه المد الإيراني في المنطقة، وتقف له بالمرصاد، وكانت قوية في مواقفها ضد النظام السوري المدعوم من طهران، وأجهضت المشروع الإيراني في اليمن، كل ذلك بفضل قوتها العسكرية وامكاناتها الاقتصادية الهائلة التي من خلالها تحافظ على الاستقرار الاقتصادي وسوق النفط.. ومعلوم أنه لو السعودية أرادت تغيير تقويم سعر النفط العالمي من الدولار لليورو لفعلت، ولكنها دولة تعمل على استقرار السوق العالمي.. ثم أن السعودية تعد ثاني مستثمر بعد اليابان في سندات الخزانة الأمريكية ولو فكرت في سحب هذه الاستثمارات لانهار سوق المال الأمريكي حيث سيصبح هشًا آنذاك، وحينئذ سيندم الأمريكيون - أعضاء كونجرس وشعب - على أي قانون يتخذونه.


قلنا إنه ليس علينا أن نخشى في الحق لومة لائم، لأننا ندرك تمامًا أن الفترة الحالية هي فترة انتخابات للكونجرس الأمريكي وكذلك انتخابات رئاسة، وبالتالي هي فترة مزايدات وابتزاز، وكان يجب على المشرعين الأمريكان الرجوع أولاً الى قانون وزارة الخارجية الأمريكية، فالولايات المتحدة تعادي فقط الدولة التي تضعها الخارجية الأمريكية تحت لائحة الدول الراعية للإرهاب، وللعلم فإن هذه اللائمة تضم سوريا وإيران التي أعفتها واشنطن من الحظر الاقتصادي وأبرمت معها الاتفاق النووي لتدمرنا به. ثم على الأمريكيين - خاصة مشرعيهم في الكونجرس - العودة الى أفلام هوليوود التي تؤكد مشاركة البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين في تأسيس وتمويل «القاعدة» في أفغانستان لتضرب بها الوجود السوفيتي آنذاك، فهل سيحاكم هذا القانون القادة الأمريكيين في هذا الوقت.. ولعلنا نذكر الأمريكيين بأن زكريا الموسوي أحد منفذي (تفجيرات سبتمبر 2001) كان يحمل الجنسية الفرنسية وجذوره إيرانية،

فهل يطبق القانون على فرنسا بلده الجديد وإيران بلد المنشأ؟ وماذا إذا أقرت بقية الدول مثل هذا القانون لتطالب الولايات المتحدة بتريليونات من الدولارات على قتل أبنائها وتشريدهم وتدمير دولهم؟ ألن يرهق المواطن الأمريكي البسيط من جراء هذه التعويضات الضخمة التي ستؤثر على الاقتصاد الأمريكي؟ نعلم أن الكونجرس الأمريكي يريد أن يعود بنا الى عالم الهنود الحمر، فالأمريكيون اعتادوا أن ينهبوا الشعوب ويقضوا عليها كما قضوا على أصحاب الأرض هناك ودمروهم لكيلا يصبح لهم أي أثار أو تاريخ، وهم هكذا يريدون بنا نحن العرب.. وليس آخر، يعن لنا سؤالاً وهو من أين ستمول أمريكا مساعداتها الأخيرة لإسرائيل والبالغة 38 مليار دولار؟ أتريد أن ندفع نحن بالنيابة عنها!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها