النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

دوائر الأحلام الرمادية... عبدالله.. كيرلا.. يسافر إلى الحج!

رابط مختصر
العدد 10025 الإثنين 19 سبتمبر 2016 الموافق 17 ذي الحجة 1437

لما وطأت قدماه هذه البلاد قبل سنوات كان كهلاً في الأربعين، وكان رأسه يعج بالأحلام... أحلام صغيرة عديدة، مثل الزواج وبناء البيت وتعليم الأولاد الذين لم ينجبهم وقتها بعد، ولكن كان الأهم من بين الأحلام الحلم الأكبر الوحيد الذي عاش من أجل تحقيقه.
رسم عبدالله (من بلاد كيرلا الهندية) وهو في الطائرة مخطط الحلم بقلم الرصاص: (150 دولارًا) ادخارًا في نهاية كل شهر، قرأ حساب التضخم وصعود أسعار النفط ونزولها، وتحولات الأزمة الاقتصادية وغيرها.


تزاحمت المشاعر واختلطت الحسابات صعودًا ونزولاً، وانتهى الأمر به الى أن الأهم هو الحلم الكبير لأنه مقدم على الأحلام الأخرى، بل مقدم على كل شيء.
ومن الغد، بدأت رحلة عبدالله مع الخيبات واختلاط الحسابات وارتباك جدول الأحلام: العمل في المطعم أمام التنور عشر ساعات يوميًا، غرفة واحدة مكتظة بدوائر الأحلام الصغيرة، الحياة صعبة والدنيا كلبة، العمليات الحسابية التي رسمها بقلم الرصاص لم تكن دقيقة، فالمبلغ الذي يمكنه أن (يحوشه) لن يزيد عن خمسين دولارًا شهريًا.
ارتبك جدول الأحلام الصغيرة، إلا الحلم الكبير فلا مجال لشطبه من قائمة الرصاص: «فالرحلة أصلاً هي من أجل تحقيقه ولولاه لعدت الى كيرلا من العام الأول ولما تحملت كل هذا العناء».


في الليل وعند الخلود إلى النوم، وصوت الترانزستور معدل على إذاعة القرآن الكريم يوسع صدره وتتسع به حياته: «عندما استمع الى الآي الكريم كل ليلة أنام على حلمي الكبير، أن أطوف بالكعبة المشرفة قبل أن أموت وأرحل عن هذه الدنيا».
هذا هو حلم عبدالله الوحيد في الدنيا، ومن أجله أن يركب الصعاب، ويتحمل ما يتحمل من عناء كل يوم وليلة، بل كل دقيقة في كل يوم وليلة.
عشر سنوات، بكى خلالها عبدالله طويلاً وانسحق قلبه عدة مرات، وهو يستمع بصبر الى الأوامر: «عبدالله تعال - عبدالله روح - عبدالله افعل - عبدالله لا تفعل - عبدالله صح - عبدالله عبدالله غلط...»، ولكن كان وقع الآي في سمعه كل ليلة يجعله يتحمل كل شيء، من أجل تحقيق الحلم الكبير كل شيء يهون.


**
وتمر الأيام والسنون، وعبدالله يكافح من أجل لقمة العيش ومن أجل الحلم الكبير، وفجأة جاءني عبدالله الذي تعرفت عليه عبر (غسل السيارة كل يوم تقريبًا). دسَّ - بعد أن سلم بحرارة - ورقة صغيرة كتب عليها بقلم الرصاص:
-    «بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبدالله النبي العربي الأمي وعلى آله وصحبه، وسلم. أنا عبدالله... أكرمني الله تعالى ومنَّ عليَّ بالذهاب إلى الحج الى بيته الحرام الذي طالما حلمت به وعملت من أجله طوال هذه السنين، أرجو منك أخي أن تسامحني إن كنت أخطأت في حقك في يوم من الأيام، او تجاوزت بالقول او الفعل، حتى أدخل بيت الله الحرام طاهرًا مطهرًا، حررني أخي من كل ذنب ارتكبه بارك الله فيك..» -انتهت الرسالة..


نظرت في عيني عبدالله - الذي يجمعني به ود كبير خلال أكثر من خمس سنوات، فوجدت فيهما ما يشبه الترقب الصادق، كمن ينتظر نتيجة الامتحان، قلت، وأنا أكاد أجهش بالبكاء: «أنا أحررك يا عبدالله؟؟؟! أنت الذي يجب أن تحررنا جميعًا أنت الذي ننتظر منك أن تسمح لنا وتعفو عنا.!!».
قلت لعبدالله الذي لم يبدُ أنه كان يفهم معنى سؤالي: هل هذا هو الحلم الكبير يا عبدالله؟
قال: نعم هو بعينيه.. وسمعت صوتًا كأنه يقول:
«إنه حلمي الكبير الذي أطوف معه أركان الأرض مكبرًا ومناديًا، أطوف الأرض والسماوات وأجول مع الرياح في ملكوت الرحمن، رب العالمين، لعله يؤانسني في وحدتي، ويرحمني برحمته، ويفتح لي ولوالدي وللمسلمين بابًا إلى جناته..».


**
أما بعد...
فلقد سافر عبدالله إلى الحج مع أول قافلة، وهو يحمل معه نفس الحقيبة التي حملها معه أول مرة، مع إحرام، وكثير من الشوق والحب الروحاني بعد أن تحمل ما تحمل سنوات، من أجل أن يصلي في بيت الله الحرام.
قالها لي وهو يودعني قبل الذهاب إلى الحج:
«لست آسفًا على شيء ولا نادمًا على شيء، لقد حققت الحلم الكبير، أما الأحلام الصغيرة فالله كريم!».
سافر عبدالله، وتمتع بالحج إلى بيت الله الحرام، أجبرني على إعادة رسم خارطة الأحلام، وعلمي أن الأحلام لا يجب أن تكتب إلا بقلم الرصاص إلا حلمًا واحدًا، هو حلمنا الكبير.

همس
من قصيدة لابن عربي:

أجوع مع الوجدان من أجل جائع 
مخافة أن أنساه والله سائلي
وأطلب قرضًا اقتداء بخالقي 
وأرهن فيه للتأسي غلائلي
وأحفظ خلق الله دوني فإنني 
على خلق الرحمن جم الفضائل
وقال لنا من كان يعرف أصلنا 
على ذا جرت أسلافكم في الأوائل
فأخوالنا خولان والعم طيء 
بناة العلى في كل عالٍ وسافل
يجودون إنعامًا على كل نائل 
 وما الناس إلا بين معطٍ ونائل
بحور ذوو بأسٍ صدور أئمة 
فلا ما در فيهم ولا عي باقل
يرون لمن يولونه يد نعمة 
عليهم هم أهل الندى والوسائل

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها