النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10970 الاثنين 22 أبريل 2019 الموافق 17 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:47AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    6:35PM

كتاب الايام

حديث عن القلوب

رابط مختصر
العدد 10023 السبت 17 سبتمبر 2016 الموافق 15 ذي الحجة 1437

مهما قالوا عن القلوب وتحدثوا عنها سواء قديمًا أو حديثًا، فلي تعريف لها، وهو تعريفي الخاص، لا أقول إن هذا التعريف نابع من خبراتي في الحياة، وهي بالمناسبة ليست بالقليلة، ولكن وصفي للقلوب مبعثه كل ما رأيته وشاهدته، من واقع خبراتي وخبرات الآخرين، أصدقاء، أقرباء، زملاء عمل وغير عمل، فمن يعشْ يرَ الكثير، فما بالنا بشخص يدون في ذاكرته ما رآه وما سيراه، ليكتبه يومًا، وكنت أعلم أني سأكتب يومًا عن القلوب.


إذا أردنا أن نتحدث عن القلوب، فيجب أن نعترف بأن القلب هو مركز حياة الإنسان، وثمة من يقول إن المخ أو العقل هو مركز إدارة حياتنا في هذا الكون، وإن ما نراه ونحياه هو نتيجة أوامر مباشرة من العقل، ولكن لماذا لا نعترف بأن القلب هو مركز إدارة الإنسان، الحياة، العالم، فالقلب هو الذي يصدر أوامره وتعليماته الى العقل، ثم يصدر القرار عن المخ.


فمركز التحكم في الإنسان هو القلب، والقلب هو الروح، روحنا جميعًا، روح كل البشر، ما كان وما سيكون، وتبريري في هذا أن القلوب متعددة وليست على شاكلة واحدة، فالقلوب وإن توحدت في الشكل كما أوحى لنا الفنانون قديمًا وحديثًا، فإن القلوب تختلف في حبها، كرهها، اهتمامها، رقتها، قسوتها.


فثمة قلب يعشق الوطن، وآخر يكرهه، الأول يفتدي روحه من أجل وطنه وتراب بلده، والثاني يبيعه بثمن بخس، مجرد دنانير قليلة كفيلة بتحويل وجهته وقبلته من عاصمة بلاده الى عاصمة أخرى، الى مكان آخر بمجرد التلويح له بتلك الدنانير، إنه القلب الخائن الذي يبيع النفيس بالتراب، في حين أن القلب الأول وهو العاشق للوطن وترابه يضحي بكل نفيس صونًا لبلده، ولبيته، لعاصمته التي ولد بها وتربى فيها وترعرع في ربوعها حتى كاد أن يحفظ حواريها، أزقتها، شوارعها. والقلب العاشق للوطن لا يمقت بلده مهما مرَّ بتجارب حتى او مؤلمة.


فالذي أصدر أوامره للإنسان لكي يحب وطنه هو القلب وليس العقل، لأن الأخير ربما يكون وبالاً على الإنسان ويحرضه على فعل ما لا يحمد عقباه، والقلب يهوى ويعشق الوطن، في حين قد يميل العقل الى حدود بلد آخر.. لقد عجبني مشهد مؤثر في فيلم مصري «عسل إسود» للفنان أحمد حلمي، ويحكي عن شاب يعود لوطنه في إجازة سريعة قبل أن يرجع لموطنه الجديد - الولايات المتحدة الأمريكية - وفي ثنايا مشاهد الفيلم يدور حوار رائع بين حلمي وبين الفنان الراحل يوسف داود الذي جسَّد شخصية مصور فوتوغرافي، ففي مشهد ضمهم مع آخرين على مقهى في حارة بالقرب من منزل بطل الفيلم،

يستغرب داوود - الذي يمثل العقل في الفيلم - مقولة يرددها معظم المصريين الذين هجروا بلدهم ليعيشوا في أوطان أخرى ويتجنسوا بجنسيتها، وهو أنهم يفضلون أن يتم دفتهم في بلدهم مصر. ويستغرب داود أكثر كيف يفكر هؤلاء؟ فتفكيرهم عقيم، إذ حولوا الوطن هنا الى مجرد مقبرة تحوي جثامينهم بعد وفاتهم، فالوطن في تفكيرهم عبارة عن ثرى، مكان مؤقت للآخرة وليس مقر معيشة واستقرار.


فالقلب في هذه الحالة، أصدر أوامره لمخ صاحبه كي يفكر في الهجرة، ليهاجر ويعيش حياة المهجر، ثم القلب نفسه يعود ويحن الى الوطن الأم ليصدر أوامره الى المخ ليفكر في بناء مقبرة له في بلاده الأولى، ثم يوصي هذا أبناءه بدفنه في بلده الأم.


نعود للقلوب المتنوعة والمتعددة، فهناك القلب الذي يحب الأم والأب، فيصدر أوامره لمخ صاحبه بالتودد لهما طوال العمر، في حين نرى أن قلبًا أصدر أوامره للمخ بمقاطعة الآباء أو كل الأسرة، فالعضو الذي أحب هو القلب، والعضو الذي كره هو القلب أيضا، والمخ مجرد منفذ لتعليمات القلب وأوامره.


وكلنا مررنا بتجارب مع أبنائنا، فمنا من يحبهم، وهذا شعور طبيعي، ولكن ثمة من يكرهم، هل فكرنا لماذا هذا وذاك؟ أو لماذا التراوح ما بين الحب والكره؟.. إنه القلب صاحب القرار، وإذا أحب منح الحب والعطاء والحنان، وإذا شعر هذا القلب بغبن الولد أو البنت، فطبيعي أن يتخفف هذا الحب والعطاء والحنان، لتكون الأوامر الصادرة بهذا المعنى. ولنا أن نصفح عن مشاعر الأب والأم في هذه الحالة، فهي مجرد رد فعل لما تصرف به الأبناء، ولكن ولكي نكون منصفين، فإن حب الأب والأم لا يتبدل الى النقيض ولكن يخف معدله بقدر معين ثم يعود الى سابق عهده.


وأمامنا قلب الأب القاسي، الزوج القاسي، وعكسه، الأب الحنون العطوف، والزوج المحب لزوجته، الحنون، الطيب، فهذا راجع لمشاعر القلب، وكما ذكرنا في البداية فالقلوب متعددة وليست على شاكلة واحدة، متنوعة بحكم التجارب ومعاملة الآخر له، فالزوج الذي لا هم له سوى إسعاد أسرته، أبويه، أشقائه، أقربائه، زوجته، أبنائه، أسعدهم بقلبه الطيب، ثم ترجم حبه وحنانه الى سعادة لا حدود لها في التعامل مع أسرته، وكذلك مع يحب وطنه.


ولعلي وأنا أتحدث عن القلوب، وتعددها وتنوعها، لا أبخس موقع العقل في حياتنا، ولكني أرى أن القلب هو المركز، لب حياتنا، فالقلب يحب ويكره، يجعل من الدنيا نورًا وضياءً، أو يجعل منها ظلمة موحشة كالقبر، تكون الحياة من خلال رؤيته جنة وسعادة، أو تنقلب هذه الحياة بؤسًا وشقاءً.. إنه القلب الذي يحب الأم والأب والابن والابنة بلا قرار وبالفطرة، وهو القلب الذي أحب.. وهناك حب الحبيبة بقلب المحب العاشق الولهان والذي يترجم هذا الحب بالحرص على الآخر وبالتضحية من أجل هذا الحب وإظهار هذا الحب بأفعال لا أقوال وسوق أعذار وأعذار إنه القلب صاحب المشاعر الفياضة بالعاطفة والحنان، أو مصدر الكره والحقد. 


إنها قلوب البشر التي أحبت المولى عز وجل حبًا روحانيًا، لتكون العلاقة بين العبد وربه علاقة عبادة وتوحيد، وحبنا للخالق هنا حب صادق طمعًا في الفردوس الأعلى الذي وعدنا به مع النبيين والصديقين والشهداء. ولكننا نأتي أحيانًا بتصرفات وأفعال تغضب الخالق رغم علم هذه القلوب ويقينها بنتائج ذلك على آخرة صاحبها. وهنا لا نلوم سوى القلب الذي حرض العقل بإتيان تصرفات غير محمودة نهى عنها الإسلام.
إنها قلوب البشر التي عشقت رسولنا الكريم، قدوة المسلمين وشفيعهم يوم الحساب، فهل نتخيل أن قلوبًا لا تتبع سنته الشريفة ولا تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تريد شفاعته يومًا ما وتطمع أن تشرب من يديه الطاهرة!.


ولعلي قبل ختامي أقول إن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الكريم أنواعًا كثيرة من القلوب منها:- القلب السليم: وهو مخلص لله وخالٍ من الكفر والنفاق والرذيلة «إلا من أتى الله بقلب سليم»الشعراء: 89، والقلب الوجل: وهو الذي يخاف الله عز وجل ألا يقبل منه العمل وألا ينجي من عذاب ربه «والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون «المؤمنون: 60»، والقلب التقي: وهو الذي يعظم شعائر الله «ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب«الحج: 32»، والقلب المهدي: الراضي بقضاء الله والتسليم بأمره {ومن يؤمن بالله يهد قلبه«التغابن: 11».


ومن القلوب أيضا القلب المطمئن: يسكن بتوحيد الله وذكره «وتطمئن قلوبهم بذكر الله» «الرعد: 28» والقلب المريض: وهو الذي أصابه مرض مثل الشك أو النفاق وفيه فجور ومرض في الشهوة الحرام «فيطمع الذي في قلبه مرض» «الأحزاب: 32»، والقلب الأعمى: وهو الذي لا يبصر ولا يدرك الحق والاعتبار «ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» «الحج: 46»، والقلب اللاهي: غافل عن القرآن الكريم، مشغول بأباطيل الدنيا وشهواتها، لا يعقل ما فيه «لاهية قلوبهم» «الأنبياء: 3»، والقلب الآثم:

 

وهو الذي يكتم شهادة الحق «ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه» «البقرة: 283»، والقلب المتكبر: مستكبر عن توحيد الله وطاعته، جبار بكثرة ظلمه وعدوانه «قلب متكبر جبار» «غافر: 35»، والقلب الغليظ: وهو الذي نزعت منه الرأفة والرحمة «ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك» «آل عمران: 159». 
وهناك القلب المختوم: فلم يسمع الهدى ولم يعقله «وختم على سمعه وقلبه» «الجاثية: 23»، والقلب القاسي: لا يلين للإيمان ولا يؤثر فيه زجر وأعرض عن ذكر الله «وجعلنا قلوبهم قاسية» «المائدة: 13»، والقلب الغافل: غافل عن ذكرنا، وآثر هواه على طاعة مولاه «ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا» «الكهف: 28»، والقلب الأغلف:

 

قلب مغطى لا ينفذ إليه قول «وقالوا قلوبنا غلف» «البقرة: 88»، والقلب الزائغ: مائل عن الحق « فأما الذين في قلوبهم زيغ» «آل عمران: 7»، والقلب المريب: شاك متحير «وارتابت قلوبهم» «التوبة: 45» هذه هي القلوب أمام خالقها فكيف هي مع من يتعايش معه. 
 كم حيّرت هذه القلوب من بداخلها ومن حولها!!!!!
] كاتب ومحلل سياسي بحريني
 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها